أنا أعشق هذا المواطن القطرى

محمد فهمى

محمد فهمى

كاتب صحفي

هذا الأمير الشاعر محمد العجمى درس فى القاهرة قبل أن يعود إلى «عزبة آل تانى» معتقداً أنه سيعبّر عن وجوده من خلال أشعاره البريئة بحرية، فقد أشاد به عظماء شعراء العرب وشيوخ قبائل الخليج، وكرّمه الشيخ محمد آل مكتوم حاكم دبى حفظه الله. ما أجمل كلمات قصيدته البريئة «ثورة الياسمين» التى كتبها فى سنة 2010 ليؤرخ ويشيد بالثورة التونسية.

بالطبع لم يتخيل العجمى أن كلماته الرقيقة ستؤدى به إلى السجن المؤبد مدى الحياة فى حبس انفرادى بلا رحمة فى دولة تصرف ملايين الدولارات لتسوّق إلى العالم أنها تحترم حرية التعبير وحقوق الإنسان. حركت قصته مشاعرى فقررت أن أتبنى قضيته بعد أن تواصلت عدة مرات مع محاميه الدكتور نجيب النعيمى البطل، وهو وزير العدل القطرى السابق الذى أصبح أكبر المعارضين للنظام القطرى الفاشل.

أصابتنى الدهشة والذهول عندما علمت أن سبب الإدانة هو «انتقاد الأمير القطرى»، فبعد قراءة ملف القضية ودفاع محاميه المرموق تأكدت أن المحاكمة كانت سرية وتم منع الصحفيين من دخول المحكمة، ولم يكن هناك بيت شعر واحد فى هذه القصيدة يدين هذا الشاعر القطرى. بالطبع انتقدت المنظمات الدولية وشعراء العالم هذا الحكم، وتُرجمت قصيدته لعدة لغات، ونُشرت فى الكتب وعلى الإنترنت لتفضح النظام القطرى الهش دولياً. فحرية التعبير هى جزء أساسى من الديمقراطية الزائفة التى تحاول الشيخة موزة تصديرها إلى العالم. كتبت عن معاناة هذا الشاعر العظيم فى جريدة «النيويورك تايمز» الأمريكية وتحدثت عنه فى ندوات عديدة بلندن وباريس وكندا وواشنطن، حتى بعد أن خفّضت المحكمة القطرية حكمها عنه إلى خمسة عشر عاماً، قضى منها أكثر من أربع سنوات.

إن أصعب ما يكون على المرء أن تقيد حريته بسبب جريمة لم يرتكبها، ولكن العجمى لم ينكسر فى زنزانته الانفرادية وسرّب رسالة من محبسه يتحدى فيها شيخ عزبة قطر وإدارة السجن التى أهدرت جميع حقوقه الإنسانية وخرقت معايير حقوق الإنسان الدولية ولوائح السجن الرسمية. لقد تأكدت من المقربين إليه أن صحته تتدهور، مما اضطره إلى أن يُضرب عن الطعام ليحاول تحسين ظروف محبسه.

الأمم المتحدة طالبت حكومة قطر مؤخراً فى شهر أكتوبر من العام الماضى بالإفراج عن العجمى فى تصريح منها يدين المحاكمة، وجاء فى مضمونه أن «حبس العجمى يخالف معايير حقوق الإنسان» وحذرت من استخدام القوانين لقمع حرية التعبير، وبرغم هذا الزخم الدولى فما زال العجمى خلف القضبان.

من الصعب أن يندهش أو يتعجب صحفى مثلى قضى عقدين فى تغطية أماكن النزاع والحروب والثورات، ولكنى صُعقت عندما علمت أن العجمى لم ينشر القصيدة أو يسردها فى مكان عام ولكنه ألقاها إلى أصدقائه فى منزله فى القاهرة فى إحدى جلسات السمر البريئة، ولكنه فوجئ عند عودته إلى موطنه بأن أحد الحاضرين قد سجل هذه الجلسة على هاتفه المحمول ونشرها دون إذنه. ياللعجب!

تحدثت عن قصة العجمى المحزنة فى إحدى ندواتى فى مركز الأبحاث، «تشاثم هاوس» البريطانى، مؤخراً. وبالطبع كما جرت العادة كان الحضور مكتظاً بمندوبين من عدة سفارات بما فيهم مسئول من سفارة قطر الذى وقف ليسألنى سؤالاً بلغته الإنجليزية الضعيفة محاولاً إحراجى فقال: «لماذا تدافع عن هذا الشاعر؟ فهو ليس متهماً بإهانة الأمير ولكنه مدان فى قضية فساد؟».

بالطبع تمالكت نفسى وقررت الرد عليه بطريقة دبلوماسية فطلبت منه إعادة السؤال لأبلور للجمهور لغته الإنجليزية الضعيفة، ثم أخبرته أن محامى الشاعر أمدنى بحيثيات الحكم التى تمت ترجمتها باللغة الإنجليزية والتى قد نشرتها أنا على الإنترنت ووجهته إلى الموقع فابتسم الجمهور على فشل هذا الدبلوماسى المبتدئ.

هناك المئات من المواطنين القطريين الشرفاء يمكثون فى سجون الطاغية القطرى وقد أمدنى المعارضون القطريون الموجودون بالمنفى بقائمة طويلة، وقد حزنت عندما قرأت أن العديد منهم قد تم تعذيبهم. والمدهش أن الأسماء المقيدة تضم العديد من رجال أسرة الثانى مثل الشيخ فهد الثانى ابن عم تميم الذى ما زال محبوساً ظلماً فقط لأنه طالب ببعض الإصلاحات الاجتماعية والسياسية، وأيضاً المعارض الشيخ محمد الثانى المقرب من الطاغية.

ما زال العجمى حتى يومنا هذا يُعد شوكة فى ظهر الحكومة القطرية، فلقد نشر موقع جدليّة المحترم خطاباً منذ عدة أيام إلى المشتركين فى المؤتمر الدولى السنوى للترجمة فى الدوحة المقرر انعقاده فى مارس 2016 يطالبونهم بعدم حضور المؤتمر الذى ترعاه جامعة حمد بن خليفة الثانى حتى يتم الإفراج عن هذا الشاعر البطل، وذكر البيان أن الكلمات والتصريحات لا تحرك ضمير الحكومة القطرية بشأن هذه القضية، فحان الوقت إلى تصعيد أساليب الضغط للإفراج عن العجمى. لقد وقّع على هذه العريضة حتى الآن أساتذة من جامعات أمريكية وكندية وبريطانية وأيضاً من الجامعة الأمريكية بمصر.

أيها القارئ، بإمكانك أن تشارك فى هذه الحملات الدولية بالتصعيد بتوقيعك على العريضة الموجودة على الإنترنت التى أعدتها منظمة العفو الدولية ومنظمة «بن» الدولية والتى ستقدم إلى السفارة القطرية فى لندن يوم 25 فبراير من خلال وقفة سلمية أمام السفارة ستبدأ فى الساعة الواحدة ظهراً.

هل يسمعنا العجمى فى زنزانته المظلمة؟ نعم، بل هو ما زال حياً بسبب دعمنا جميعاً له، فأنا أؤكد لك أيها القارئ أن تغريداتك على النت ودعواتك ودعمك لكلمة الحق تصل إليه حتى فى سراديب السجون القطرية الموحشة.