العدالة الاجتماعية للكلاب البرجوازية!

عاطف بشاى

عاطف بشاى

كاتب صحفي

كانت «نانا» قد انتهت من تناول طبقها المفضل «إيمانسيه زيرو يكواز» مع صوص المشروم والكريمة وبطاطس» «روشتى» فى المطعم الفاخر بالكوربة بمصر الجديدة حينما رأتنى داخلاً، فحيتنى بإشارة فاترة بيدها مرددة باقتضاب: هالو، بادرتها فى فضول: واضح إنك فى حالة نفسية غير طيبة، قالت: «للأسف المصائب لا تأتى فرادى، بدأت بخلاف حاد نشب بين «دادى ومامى» التى أصابها الاكتئاب بسبب سيطرة السوقة والرعاع والأوباش والبلطجية والباعة الجائلين والمتسولين على شوارع البلد، ومقالب القمامة ومخلفات البناء ومذابح الأشجار فى الأحياء الراقية، والقبح الذى أصبح يسيطر على كل مظاهر الحياة واعتاده الناس فصار جمالاً، لقد تحول وجه مصر الحضارى الجميل إلى وجه دميم لا يطاق لدرجة أن هناك اتجاهاً إلى عدم التوسع فى إنشاء نوادى الجولف، بناء على رسالة تحريضية من مخرج شاب حاقد على الأغنياء أخرج فيلماً اسمه «أنا سعيد جداً لدرجة أننى ألعب الجولف» يتعاطف فيه مع الدهماء من سكان العشوائيات الذين يعانون من ندرة مياه الشرب، التى تُهدر فى رى حشائش تلك النوادى، تصور؟! لذلك فقد طلبت «مامى» من «دادى» خمسة ملايين دولار لتجديد أحد الشاليهات الخاصة بهم، الذى يقع فى «بامبرغ» فى منطقة خلابة فوق الهضاب السبع، تمهيداً لقضاء بعض الأشهر ريثما يعتدل مزاجها النفسى، لكن «دادى» رفض، قلت لها مستنتجاً:

- عنده حق، هل هذا وقت التبذير؟! لا بد أنه يعتبر من كبار المستثمرين قد تأثر بسبب قرار الزيادة الجمركية على السلع الاستفزازية، وتشجيع المنافسة بين المنتجات المحلية والأجنبية.

- طبعاً، خصوصاً أن «بابى» كان بيستورد بمليارات عربيات سباق وألعاب نارية وشماريخ وأدوات تزحلق على الجليد، ده غير حمالات «الثدى»، والمشدات النسائية الكاملة، ثم مستدركة:

- المهم أن «مامى» تركت دادى غاضبة وسافرت إلى «سويسرا» للاستجمام، ثم لم تمر عدة أيام حتى رحلت «كيكى» عن عالمنا فجأة دون وداع.

- صديقتك؟!

- لا، كلبتى، بعد أسبوع من مرضها وإقامتها فى العيادة البيطرية، ثم والدموع تترقرق فى عينيها:

- ماتت وسابتنى لوحدى، فى الوقت اللى كنت باستعد للسفر بيها لأمريكا للاشتراك فى مسابقة جمال الكلاب السنوية، و«ستمنستر كينيل» فى دورتها رقم (140) فى حديقة «ماديسون» فى «منهاتن» اللى بيتنافس فيها حوالى (3) آلاف كلب من دول وولايات مختلفة، كنت هألبسها لبس الملكة «نفرتارى» وأحكى لهم قصة حبها لرمسيس الملك اللى خلدها فى معابد صخرية، ونقوش ورسوم وحكايات رومانسية، وكان بيناديها بربة الفتنة البهية، جميلة المحيا وسيدة الصعيد والدلتا الندية، وكنت واثقة من أنها هاتفوز بالجايزة الذهبية، ثم أجهشت بالبكاء الحار وهى تردد بصوت مخنوق منتحب:

- لكن يا خسارة، سابتنى وسافرت هى للأبدية.

ربت عليها مواسياً مردداً:

- معلش، آدى حال الدنيا، كلنا على سفر، النهارده بنغنى زى طير الشجر، بكره لا حس ولا خبر، وكل واحد بتيجى محطته وينزل، يجعله آخر الأحزان.

ثم مستدرجاً:

- ضرورى ماتت نتيجة أكل ملوث محلى بعد ما صدر القرار بزيادة الجمارك على أكل القطط والكلاب؟ صاحت فى انفعال وغضب واستنكار:

- إيه الكلام الفارغ اللى انت بتقوله ده؟! انت متصور إنى هابخل عليها بالأكل المستورد مهما غلى ثمنه؟! انت فاكر إنها كلبة من كلاب السكك؟! ثم مؤكدة:

- أنا كنت بازورها مرتين فى اليوم الواحد ومعايا الوجبات الثلاثة الفاخرة، الفطار «كيش بالمشروم والسبانخ» و«إسبانيش أومليت» وكرواسان، وباتيه بالسوسيس وحلويات دانماركية، والغدا «كورن بلو فراخ» أو «ميكس سى فود»، والعشا فيليه بقرى بصوص كريمة عش الغراب، وأطعمة رجيم سعراتها الحرارية منخفضة، ده غير أغذية فيها فيتامينات ومنشطات وفواتح للشهية، أكياس فيها شرائح طاووس وغزلان ونعام،

ثم موضحة فى ثقة واستعلاء:

- لازم تفهم يا أستاذ يا مثقف إن رفع نسبة تحصيل الجمارك على السلع المستوردة ده قرار فاشل لأن الناس «الكلاس» اللى اتعودوا على شراء منتجات مستوردة معينة حايفضلوا يشتروها مهما ارتفعت أسعارها.

بادرتها متسائلاً:

- أمال «كيكى» وافتها المنية إزاى؟!

هتفت بانهيار وسخط:

- مش حاتصدق، أنا اكتشفت أبشع ما يمكنك تصوره، العامل الوضيع فى العيادة البيطرية استولى على أكلها وأكله هو طول فترة إقامتها هناك، الحقير كان بيأكلها من الزبالة، لغاية ما ماتت، ثم مستدركة فى حرارة:

- لا بد يا مستر «بشاى» تكتب عن أخلاق الناس اللى انحطت، وسلوك المصريين اللى تدنى، وضرورى تلفت نظر حملة «أخلاقنا» إنها تتبنى الدفاع عن حقوق الكلاب البرجوازية بما أنك رجل «برجوازى»، صحت فاغر الفاه فى دهشة بالغة:

- أنا؟! ثم أكدت لها ساخراً:

- لا، أنا أرثوذوكسى.

- عموماً أنا عاوزاك كمان تنضم لينا وتشارك شلتنا فى الدعوة إلى العدالة الاجتماعية، إنها حلمنا الذى ننتظر تحقيقه، هتفت بحماس:

- طبعاً، لقد وضعت يدك على بيت الداء وجوهر القضية، بدون العدالة الاجتماعية لا تتحقق الديمقراطية ولا الحرية الإنسانية، ولا الكرامة البشرية، ولا التنمية، ولا النهضة، لقد كانت تتصدر شعارات الثورتين، لكنها للأسف لم تتحقق حتى الآن، إن المقدمة المنطقية التى أدت إلى قيام ثورة (25) يناير تتصل اتصالاً مباشراً بانعدام العدالة الاجتماعية والشعور بالفوارق الطبقية نتيجة الثراء الفاحش فى مقابل الفقر المدقع والتناقض الحاد بين قاهرة الأغنياء، وقاهرة الفقراء، قاهرة يعيش نصف سكانها تحت مستوى الفقر يشربون من مياه المجارى، ويأكلون من تلال القمامة فى الشوارع، وقاهرة أخرى يأتى طعام الأثرياء فيها من مطعم «مكسيم» ساخناً، افتقارنا إلى العدالة الاجتماعية هو الذى أدى إلى اضطرار فقراء الوطن إلى التهام طعام الكلاب والقطط، ولو كان الفقر رجلاً لقتلته.

صرخت مقاطعة:

- ما هذا الذى تقوله؟! أنا أقصد العدالة الاجتماعية المفقودة نتيجة التفرقة فى المعاملة بين الإنسان والحيوان، الجريمة التى ارتكبها هذا العامل السافل لو تمت فى أى دولة أوروبية لعوقب بالسجن، لكنى هنا عندما ذهبت لتحرير محضر بالواقعة فى قسم البوليس سخر منى الضابط، هل تعلم أنه فى فرنسا يوجد نظام تأمين صحى للقطط والكلاب؟! قلت ساخراً: رائع، لديك روح ثورية عظيمة.

- طبعاً، وأنا والشلة لدينا مشروع كامل للنهضة، هل يمكنك أن تنقله على ألسنتنا؟!

- بكل سرور، كلى آذان صاغية.

- لا بد من إنشاء سور ضخم مثل «سور الصين العظيم» لعزل الأحياء العشوائية والعشوائيين بشكلهم المزرى وملابسهم الرثة عن الأحياء الراقية لتنشيط السياحة حتى لا تقع أعين السائح الأجنبى على هذه المناظر القذرة، وتوحيد زى المتسولين، وإجبارهم على ارتداء يونيفورم بألوان زاهية تبعث على التفاؤل والبهجة، وكذلك باعة المناديل الورقية، وزيادة عدد الفنادق الخمسة نجوم للكلاب، فليس من المعقول فى بلد تعداده (90) مليون نسمة لا يوجد غير خمسة فنادق تخدم مائة وستين نوعاً من الكلاب المدللة فقط، ولا بد أيضاً من زيادة عدد المستشفيات البيطرية والعيادات الخاصة، والاهتمام بالطب النفسى للكلاب، واستثناء استيراد طعام القطط والكلاب من زيادة الجمارك تشجيعاً لصغار المستوردين، لقد التقيت بأحدهم فى النادى وكان يشكو مر الشكوى من اضطراره لبيع ياخته الخاص ليتوفر له سيولة مالية كافية لاستيراد أطعمة كلاب وأدوية ومستلزمات بيطرية بعد قرار رفع الجمارك، خراب بيوت يعنى؟!

أين إذن العدالة الاجتماعية؟!