رئيس جمهورية نفسه!

نظرية «أنا مجلس وحدى» هى سر الأزمة التى يعيشها مجلس النواب منذ انطلاق جلسته الإجرائية الأولى، لاحِظ أياً من النواب الذين يعملون بهذه النظرية، ستلاحظ أنهم تحولوا إلى «لسان كبير» غطى على أعضاء الوجه الأخرى، فلا آذان تسمع ولا أعيناً تبصر، لكن صوت، صوت وفقط، يعلو بكلام أقرب إلى اللغو، الأمر الذى جعل المجلس منذ انطلاقه، مجموعة من المشاهد الكوميدية، وفواصل من التلاسن بين الأعضاء، ومحاولة من جانب كل عضو لفرد عضلاته الصوتية على الآخرين، حتى فى الحالات التى كانوا يتحدثون فيها فى موضوعات تمس اهتمام الجماهير، مثل قانون الخدمة المدنية.

الرؤية الأحادية أو إبصار العالم كله من خلال عدسة الذات، لا تسيطر -للإنصاف- على أداء مجلس النواب وحده، بل هى جزء من ثقافة سياسية واجتماعية عامة تدمغ العديد من جوانب حياتنا. على سبيل المثال، الرئيس يجهد نفسه كثيراً، ويجتهد قدر استطاعته فى التعامل مع الأزمات الشائكة التى تواجه الدولة، لكنه ينسى فى غمرة الجهد والاجتهاد فكرة الدولة نفسها التى تعتمد على العمل المؤسسى، فما زال يرضى حتى اليوم بتلك العبارة التى تتردد باستمرار على ألسنة المسئولين: «طبقاً لتوجيهات السيد الرئيس». لو أنك استدعيت من ذاكرتك القريبة واقعة «فيتو/ دربكة» التى شهدها حى الدرب الأحمر فستتأكد من ذلك. فقد قتل أمين الشرطة «فيتو» المواطن «دربكة»، وهاج أهالى الحى وماجوا، دون أن تحرك وزارة الداخلية ساكناً، حتى استدعى الرئيس وزير الداخلية، واجتمع به وأعطاه توجيهات بإجراء تعديلات تشريعية تحمى المواطنين من عسف الشرطة، بعدها تحركت الوزارة ومعها الحكومة للحديث عن خطة التعديل، وقام وزير الداخلية بزيارة لأسرة شهيد «لقمة العيش»، وقبَّل رأس والده، وأكد له أن دم «دربكة» فى رقبته. والسؤال هل كان الوزير يحتاج إلى توجيه من الرئيس ليتحرك بنفسه؟. أخشى أن تكون الإجابة بنعم، فالكثير من مسئولينا لا يتحركون بعيداً عن القيادة الأعلى، خوفاً من أن تفهم حركتهم خطأ، وهم من ناحيتهم لا يتوانون عن الممارسة بنفس الآلية مع مَن هم دونهم.

نواب البرلمان يرون أنهم ممثلون للشعب، بنسبة 25%، وبالتالى يرى بعضهم أن من حقه أن يؤدى وكأنه زعيم للأمة، وحامل راية الخلاص لها، بل ويرى أن المجلس ملزم بأن يستجيب له فى سعيه لضبط ساعة البلد على يده، فتجد نائباً يعترض لأنه كان يرى فى نفسه الأهلية لرئاسة المجلس، ويطالب بحل الحكومة والبرلمان والرئاسة، طالما لم ينَل ما يستحقه، من وجهة نظره طبعاً، وتجد نائباً آخر يريد أن يشتم الجميع، ثم يطالب المجلس بالوقوف معه فى إيقاف برامج ومنع مَن شتمهم من الرد عليه، وقِس على ذلك. كل حى فى هذا البلد يرى فى نفسه مجلساً وحكومة ودولة، إنه ببساطة جمهورية كاملة، وهو بالبداهة المواطن الأوحد والرئيس الأوحد لهذه الجمهورية. فاكر «لومه» رئيس جمهورية نفسه. كل مواطن عادى أو مسئول أو نائب فى برلمان، يرى أنه رئيس جمهورية نفسه، لذلك من الطبيعى جداً أن يطالب بأن يتم ضبط الجمهورية كلها على ساعة يده!.