يا حلوة مالك!

ناهد صلاح

ناهد صلاح

كاتب صحفي

غاندى قال إن ما نفعله فى الحياة ليس مهماً، لكن المهم أن نفعله، ولأننى أميل إلى الشق الأول، قررت أن أهرب من المشهد الرمضانى هذا العام؛ وقلت: حسناً! لن أتقوقع أمام الشاشة وأكون جزءاً من المشهد المتكرر ذاته؛ فهذا الانخراط لن يكون مهماً وربما يزيد من المزاج المكفهر، ودون أن يرف لى جفن فررت من القاهرة ومن أخبار الثانوية العامة وألغاز مسلسلات الحرائق المستمرة الأسخف من مسلسلات القتل التى تسللت لتندس فى القائمة وتجرف المتفرج معها إلى المتاهة، وفى طريقى إلى قريتى التابعة لمركز طوخ/ القليوبية مشدودة بالجملة الإعلانية التى تدق على الرأس «قوتك فى عيلتك»، كاد جسدى كله يتكسر على الطرق المكسورة وحفر الصرف الصحى الموعودة به منذ سنوات هذه الناحية من البلاد دون إنجاز، حتى الترعة التى تم ردمها ضمن مشروع التطوير؛ حُفرت مرة ثانية لإقامة برج سكنى كبير تحت مرأى وسمع الجميع، ويقولون إن البناء يتم بتدخل مسئولين كبار يخطون بامتياز على درب الفساد القديم؛ على اعتبار أنه كان «فيه أمل» فى نهاية للفساد، وعند هذه النقطة عدت إلى القاهرة أجر أذيال الخيبة وأتخذ مكانى أمام التليفزيون لعلنى أجد ما يصنع بعض السعادة على طريقة الجملة التى كتبها الفيلسوف الإنجليزى برتراند راسل فى مقدمة كتابه عن السعادة: «أشدّ الناس تعاسة يمكن أن يصبح سعيداً بالتوجيه الملائم»، المسلسلات لا تقوم بدور مدربى التنمية البشرية فى اكتشاف قدراتنا على التخلص من الخوف والقلق أو أى هراء آخر، خصوصاً مع هذه «الخناقة» العظيمة لدراما تتصارع فى مساحة ضيقة وتفتك بها الوصلات الإعلانية؛ بخلاف أن منها ما يصنع التراجيديا المكررة لموضوعات لا تقدم سوى بطل أو بطلة تتمحور حولهما كل التفاصيل بلا حكاية يصاحبها الصنيع البصرى الملائم، بل إن المتفرج لن يتذكر أى اسم سواهما.

وهنا، يكون من الطبيعى أن يخطفنا الكاتب عبدالرحيم كمال بتجربتين نعثر فيهما على ما يملأ الفراغ؛ كاتب «يتعب على شغله» وينسج فكرته رويداً رويداً وينأى عن الفوضى المحيطة بمساره الخاص، ومعه نعود ونرى الصعيد بشكل مختلف: صورة وحدثاً ولهجة وشخوصاً من لحم ودم فى «يونس ولد فضة»، من عنوانه يظهر كحدوتة مثيرة ومترامية الأطراف لرجل تصنعه تدابير امرأة وبلاد تنكسر على خوفها، كل شىء معد ليؤثث للشرائع الجديدة، كتابة أتاحت للمخرج أحمد شفيق أن يتحرك بروحها التى تلبست سوسن بدر وعمرو سعد وباقى الممثلين ليحملونا معهم فى صعودهم، فيما يعود عبدالرحيم ليدهشنا مرة أخرى مع يحيى وشادى الفخرانى، وكان سبق لهم معالجة رهيفة لمسرحية شكسبير «الملك لير»، والآن يعيد فى تحدِ آخر مسرحية «فاوست» لجوتة بوازع فنى يبدو مختلفاً كما بدا فى الحلقات الأولى وهو «يفرش» تجليات الغواية عند مفترق طرق يمكن أن تكشف الجوهر الحقيقى للحياة من خلال «ونوس»، ذلك الشيطان البارع، والرهان كبير على المقبل من الأحداث.

صورة أخرى مبشرة طالعتنا فى مسلسل «جراند أوتيل» إخراج محمد شاكر خضير، مسلسل مصنوع بإتقان، يضاهيه فى ذلك مسلسل «أفراح القبة» المأخوذ عن رواية نجيب محفوظ، بلمسة إخراجية بارعة لمحمد ياسين ومتعة بصرية لا تلغيها التفاصيل الحكائية بل تستمر اللعبة البصرية التى تأخذ المشاهد إلى رحاب عوالم متداخلة، وسياقات متشعبة يدعمها الأداء الجميل للممثلين، ما ينسينا ولو قليلاً اكتئاب ما بعد الحلقة الأولى لمسلسل محمد منير «المغنى» إخراج شريف صبرى دون الخوض فى تفاصيل أكثر لا تضر ولا تنفع، وكذلك يبعدنا عن جدل الجزء السادس من الحلمية التى اختلفت لياليها وناسها، وهو أمر طبيعى؛ فالزمن نفسه تغير ولا فرصة لأى كلام عاطفى، وعلى أى حال كلها انطباعات أولى ولا يزال حبل المسلسلات مفروداً فى أوله.