أحياناً نجنى عكس ما نزرع. قد نريد شيئاً لكننا نصل إلى عكسه، وذلك يتكرر فى حياتنا كأفراد وأيضاً كجماعات ودول. يقول مثلنا الدارج: «خير تعمل.. شر تلقى»، تقصد نتيجة، فتصل إلى أخرى مختلفة تماماً، والسبب فى ذلك واحد من اثنين. إما لأن الهدف الذى نبتغيه يفوق قدراتنا، أو لأن الوسيلة التى نستعملها فى تحقيقه غير مناسبة.
وما نراه فى مصر اليوم من تخبط يعود إما إلى أهداف كبيرة تزيد على قدرة من وضعها، أو أساليب عقيمة لا تفيد من اختارها، فبعض الفصائل السياسية حديثة العهد بالسياسة بالغت فى أهدافها. تصورت أن مصر حجر أملس يمكن النقش عليه بسهولة. لم يخف مثلاً أن تطويع الأزهر كان و لا يزال هدفاً لبعض القوى السلفية ولجناح داخل الإخوان المسلمين. لكن الهدف كان وسيظل أكبر من قدرة من يتمناه، فها هى هيئة كبار العلماء تنتخب مفتياً جديداً يمثل فى عيون غالبية المصريين الأزهر كما عرفوه وليس الأزهر كما يتمنى من يحاولون اختطافه.
وإذا كانت «سلفنة» أو «أخونة» الأزهر هدف يفوق قدرة من يفكر فيه، فما بالنا بـ«سلفنة» أو «أخونة» أو «علمنة» مصر كلها؟ أهداف تخدع أصحابها لو يعلمون. يحاولون لكنهم يفشلون لأن البلد أكبر من أن يصنع على هوى تيار أو فريق. هذا عن الأهداف المبالغ فيها. لكن ماذا عن الأهداف المشروعة والنبيلة والتى لا يختلف عليها اثنان. لماذا الفشل فى تحقيقها؟
خذ مثلاً استرداد هيبة الدولة. هدف لا يختلف عليه اثنان سواء فى أهميته أو فى حق من وجد فى سدة الحكم أن يحققه. حتى المعارضون للرئيس مرسى فى مجمل أو تفاصيل ما يفعله لا يملك أحدهم أن يصادر حقه كمسئول الآن عن الدولة أن يسترد هيبتها المفقودة وصورتها التى أهدرت. وكلنا نرى مظاهر تلك الهيبة المهدرة ولا يوجد ما يدعو للتذكير بها. لكن استرداد هيبة الدولة وإن كان هدفاً يجب أن نقول له «نعم» يجرى محاولة إنجازه بوسائل قال لها الناس بوضوح «لا»، فهيبة الدولة لا تسترد بتغليظ يد الشرطة من جديد، فالناس فى مصر لم يعد ممكناً حكمهم بالعافية أو بالعين الحمراء أو بتجديد ما لدى الشرطة من مدرعات وملابس واقية. هيبة الدولة تبدأ بتمكين القانون وتوسيع قاعدة المشاركة. بتعديل الدستور وإرضاء الشارع. بمحاكمة قتلة الثوار والتمييز بين الثوار والبلطجية وليس بالادعاء بهتاناً على الأوائل واتهامهم زوراً بأنهم مجرمون. هيبة الدولة تبدأ عندما تتنازل الحكومة للمعارضة وتفتح معها حواراً جاداً وجدياً، فالدولة وبالأحرى من يعنيه أن يسترد هيبتها هى الكبير، والكبير يتنازل دون أن يتحرج.
هيبة الدولة لم تسترد فى مدن القناة بإعلان حالة الطوارئ. فقد ثبت بجلاء أن الناس تميز بدقة بين من يدعوها عن حق لكى تهاب الدولة ومن يحاول أن يعود بها من جديد إلى الخوف من الدولة، وباستثناء المجرمين والمنحرفين ورجال العصابات الذين لا يخافون ولا يهابون الدولة ولا يحترمون لها هيبة أو وجوداً، يريد الناس العاديون لهيبة الدولة أن تعود، لكنهم لم يعودوا يقبلون أن تعود بالتخويف والترويع واليد الغليظة وتفصيل القانون على عكس ما يرونه. الهيبة لا بد أن تعود. لن يقول عاقل لذلك غير «نعم». لكنها لا يمكن أن تعود بالفرض والإملاء فى غير ما يسمح به قانون تراضى عليه الجميع، وطالما أننا لم نصل بعد إلى التراضى سيظل مفتاح استرداد هيبة الدولة مفقوداً. هناك قواعد مستقرة فى السياسة لا أعرف لماذا نخالفها. لن نخترع العجلة ولن نسترد هيبة الدولة إلا بإرضاء المجتمع وليس جماعة أو بضع جماعات فيه.