لا أحد يعلم هل ستستمر جبهة الإنقاذ فى مقاطعة الانتخابات أم أنها، أو بعض مكوناتها، ستقرر خوضها لو أتى القانون الجديد الذى سينظمها سليماً من حيث الشكل والمضمون. أتمنى ألا تقاطع الجبهة الانتخابات لأسباب كثيرة، أهمها أن مقاطعة الجبهة تسهل للإخوان اقتطاع الوطن لأنفسهم. وإن لم يتوقف الاقتطاع أو ما يسمى بالأخونة فقد تعود مصر فى ظرف سنوات قليلة إلى دائرة الإقطاع اللعينة التى تكررت مع كل تجربة تغير فيها الحكم ثم انتهت بدلاً من توزيع الثروة وتداول السلطة إلى تركيزهما فى أيد محدودة.
ولو قررت الجبهة أو بعض مكوناتها المشاركة فى الانتخابات فأحد معايير الحكم عليها سيكون قدرتها على التعلم والاستفادة من أخطاء الماضى. وأركز فى هذا الصدد بالتحديد على السيد حمدين صباحى. فكلنا يذكر أن مساعى وجهوداً كبيرة بُذلت قبل انتخابات الرئاسة لإقناعه هو والسيد عبدالمنعم أبوالفتوح بالتحالف معاً ليشكلا فريقاً ينافس فى تلك الانتخابات. ولو تعاونا لكنا تفادينا كثيراً من الويل الذى عشناه وما زلنا نعيشه إلى اليوم. فلم يكن تحالف أبوالفتوح - صباحى ليخسر أمام شفيق أو مرسى أو أى مرشح آخر. كان سيفوز بأريحية وفق تقدير كل المراقبين والمحللين العدول. لكن الرجلين هزما نفسيهما وهزما أيضاًً آمال كثير من المصريين فى أن يبرز رجال دولة يقدمون الوطن على أنفسهم ويقدرون أهمية العمل الجماعى خلال الفترة الانتقالية الصعبة إلى أن تضع مصر أقدامها على عتبة الاستقرار. لكن الأنا غلبتهما من جهة والاختلاف على بعض الأفكار فرّقهما من جهة أخرى مع أن كليهما كان يفكر فى خطورة وصول أى بديل آخر إلى سدة الرئاسة.
والسياسى الحاذق هو الذى يتعلم من أخطائه بسرعة حتى لا يكررها. ولو قررت جبهة الإنقاذ خوض الانتخابات، أو لو ارتأى السيد صباحى أن يكون لحزبه دور فيها، فالأفضل أن يحاول هو والدكتور أبوالفتوح تقريب المسافات بينهما من جديد والتنسيق بين حزبيهما. ولمَ لا؟ فالناس ستتساءل إن لم يحاولا من جديد بعد أن خذلاهم إبان انتخابات الرئاسة. سيرحبون بتحالفهما الانتخابى بل وسيدعمانهما حتى تأتى الانتخابات البرلمانية بنتيجة أفضل لمصر كان يمكن أن تصل إليها مبكراً خلال انتخابات الرئاسة لو أن الرجلين تحالفا ونسّقا.
عليهما أن يحاولا من جديد لأن مصر وإن كان فيها ألوان سياسية عديدة إلا أن لوناً واحداً بات يعتقد أنه أفضل من باقى الألوان وأن من حقه أن يكون هو اللون الغالب. مصر على أعتاب تكرار تجربة نظام الحزب المهيمن من جديد. فقبل الثورة وجدت أحزاب عديدة لكن الحزب الوطنى هو الذى هيمن واستولى على السلطة والمال وكل شىء تقريباً. واليوم وبعد الثورة يعمل حزب الحرية والعدالة بكل السبل المباشرة وغير المباشرة على فرض نفسه وتحقيق هيمنته على الدولة ومؤسساتها.
والخطأ كل الخطأ أن يدعو أحد الآن إلى انتخابات رئاسية مبكرة. ففى هذا فتح أبواب جهنم على مصراعيه لصراع سياسى ستكون له تداعيات ميدانية جسيمة. البديل هو أن تعود جبهة الإنقاذ إلى المشاركة فى الانتخابات وأن تسعى، بالذات السيد حمدين صباحى، إلى التنسيق مع الدكتور أبوالفتوح. فمصر سيفيدها برلمان تسوده قوى سياسية غير التى تمسك الآن بالرئاسة. والرجلان معاً عليهما أن يعيدا التفكير وأن يتواضعا وأن يتحالفا برلمانياً من أجل مصر بعد أن فشلا فى التحالف من أجلها خلال انتخابات الرئاسة. تحالفهما سيكون حائط صد أمام محاولات استنساخ تجربة الحزب المهيمن وسيكون دافعاً لترسيخ قاعدة للشراكة السياسية وضرباً لمشروع الاختلاس السياسى الجارى للوطن من جديد. فهل يفعلان؟