طلقات «طنطاش» فى الهواء

سيد جبيل

سيد جبيل

كاتب صحفي

اغتيال السفير الروسى أندريه كارلوف على يدى الشرطى مولود طنطاش فى أنقرة يوم الاثنين الماضى ستكون له عواقب كثيرة، ليس من بينها مواجهة سياسية، فضلاً عن صدام عسكرى محتمل بين روسيا وتركيا، كما يعتقد البعض لأسباب متعددة، أهمها تفاهم جرى مؤخراً، عقب الاعتذار التركى عن إسقاط المقاتلة الروسية فى نوفمبر 2015، الذى يمكن تلخيصه بـ«الباب مقابل حلب» أى أن تتخلى تركيا عن مساعيها للإطاحة بالرئيس السورى بشار الأسد، وتتعهد بوقف دعم المعارضة المسلحة فى حلب مقابل أن تتخلى روسيا عن دعمها للجماعات الكردية الطامحة لبسط نفوذها على طول الحدود السورية التركية، خصوصاً فى مدينة الباب وما حولها، وأن تساعد موسكو تركيا وحلفاءها فى ضرب قوات داعش، التى ترغب أيضاً فى الوجود قرب الحدود التركية بشكل يهدد أمنها.

الاتفاق غير المكتوب بين البلدين، الذى تسرب محتواه لوسائل الإعلام الغربية، كان نقطة تحول فى الصراع السورى. تركيا منذ بداية الصراع وتحديداً منذ عام 2012، هو العام الذى شهد دخول المعارضة المسلحة لحلب لأول مرة، كانت تدعم خطة الدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة التى تقضى بسلخ مدينة حلب عن سيطرة «بشار»، ومنها يمكن إعلان حكومة جديدة، أى أن يصبح فى سوريا كما حدث فى ليبيا حكومتان، وتعترف هذه الدول بحكومة حلب، ما يبرر دعمها مالياً وعسكرياً، وينزع الشرعية عن بشار ويقطع الطريق عن محاولات داعميه، «روسيا وإيران» الإبقاء عليه.

موسكو كانت عازمة على إجهاض هذا المخطط حفاظاً على مصالحها الكثيرة فى سوريا ولعدم رغبتها فى تكرار خسارتها لليبيا التى فقدتها حين صدقت الدول الغربية فى 2011. تعهدت هذه الدول وقتها باستخدام القوة العسكرية فقط لتحييد أسلحة القذافى وحماية المدنيين، لكنها سرعان ما أتت على كامل البنية التحتية الليبية ومهدت الطريق لتصفية القذافى أملاً فى تنصيب حكومة موالية تحصل من خلالها على عقود بمليارات فى مرحلة إعادة تعمير ما دمروه، وفقدت موسكو بذلك حليفاً ومصالح كثيرة، منها عقود أسلحة بنحو 10 مليارات دولار أبرمتها مع الرئيس الليبى قبيل سقوطه. موسكو ذهبت إلى مدى لم يتوقعه خصومها وقررت التدخل العسكرى المباشر فى سبتمبر 2015، وهو أول تدخل عسكرى لروسيا فى المنطقة منذ عام 1773.

فى المقابل، راهنت «تركيا أردوغان» بكل أوراقها على إسقاط الأسد، أملاً فى تحقيق أهداف كثيرة، منها أن تثبت للولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسى أنها قادرة على تحقيق أجندتهم فى سوريا بإسقاط «الأسد»، ما يعنى قطع الطريق على تمدد نفوذ إيران بالقرب من الحدود الأوروبية والأهم من حدود إسرائيل، ما يخنق بالتبعية حزب الله فى لبنان. ورغبت أيضاً فى مساعدة من تسميهم المعارضة الإسلامية المعتدلة. والهدف هو تحقيق مزيد من نفوذ أنقرة الطامحة فى أن تكون زعيمة للعالم السنى، ما يدعم حظوظها فى دخول الاتحاد الأوروبى الذى تطمح فى دخوله منذ الخمسينات.

تصادمت رغبات البلدين، ووصلت ذروة الصراع بينهما فى حادثة إسقاط المقاتلة الروسية العام الماضى. الحادثة الأولى من نوعها منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية جددت مخاوف اندلاع حرب بين الدولتين، اللتين جمعتهما 13 حرباً منذ عام 1570، وحتى نهاية الحرب العالمية الأولى فى 1918 التى أسقطت الإمبراطورية العثمانية وأنهت الحروب الساخنة بين الدولتين، لكنهما سرعان ما اشتبكتا فى حرب باردة منذ عام 1947، بعد أن أصبحت أنقرة جزءاً من التحالف الغرب المعادى لموسكو.

حسابات تركيا تغيرت بعد أن أدركت أن عضويتها فى حلف شمال الأطلسى لا تضمن لها حماية من أعضائه، وأن الغرب لا يريد تركيا فى الاتحاد الأوروبى، ولن يتحمس كثيراً فى دعمها إذا حدثت مواجهة مباشرة مع موسكو. زاد شعور الأتراك بأنهم «رجل أوروبا المنبوذ» بعد تجميد مفاوضات انضمامهم للاتحاد الأوروبى وقبلها فتور هذه الدول فى إدانة محاولة الانقلاب الفاشلة فى يوليو الماضى. كل ذلك دفع تركيا لإعادة النظر فى سياساتها فى عدة ملفات، وأهمها الملف السورى، وأيقنت أن مصلحتها فى هذه اللحظة فى التفاهم مع موسكو لا التصادم معها، وقد كان. كل ذلك يصعب المخاطرة به بسبب اغتيال سفير، والمقارنة الشائعة على مواقع التواصل الاجتماعى بين الحادثة واغتيال ولى عهد النمسا فى يونيو 1914 على يد شاب صربى، وأدت لاندلاع الحرب العالمية الأولى مغرية، ولكنها غير دقيقة.