بدأ الحديث عن مصر بعد حسنى مبارك قبل أن يسقط حسنى مبارك بعدة سنوات. كان الرجل هَرِماً لا يقوى على مهام الحكم. وكان نظامه فاسداً لا يقوى الشعب على تحمله. وكان وريثه متلهفاً لا يقوى على الصبر. أراد الابن أن يكون هو الجواب عن «ماذا بعد حسنى مبارك؟»، فاستعان بالأب والأم وكل أدوات نظامهم الفاسد. لكن الثورة جاءتهم لتكون هى الجواب.
وها هى الثورة بعد أن تخبطت تدفع بالمصريين إلى إعادة طرح السؤال من جديد. هذه المرة يسألون «ماذا بعد مرسى؟». والسؤال ليس فيه إسفاف أو استخفاف أو إجحاف. فأى رئيس فى موقعه incumbent president لا بد أن يأتى بعده من يخلفه. ولهذا فالسؤال علمى تماماً يجرى طرحه فى كل النظم الديمقراطية والمستبدة على السواء.
وفى مصر الآن من يطالبون بانتخابات رئاسية مبكرة. وهؤلاء يريدون أن يبدأ عصر ما بعد مرسى قبل أن ينهى الرجل مدته. وفى مصر أيضاً علامات كثيرة تشير إلى السخط من عصر مرسى. مستشارون عديدون تركوه. ومصريون كثر أجلوا الأمل فى الأحسن إلى ما بعد عصره. ومؤسسات مهمة فى الدولة تكظم غيظها ولا ترضى عن طريقة تسيير الأمور. وقوى خارجية تراجع أداء الرئيس، بدأ بعضها بالفعل يفكر فى مرحلة ما بعد مرسى.
ومرحلة ما بعد مرسى أمامها رسمياً نحو ثلاث سنوات لكى تبدأ، ما لم تمتد لأربع سنوات أخرى، لو أعيد انتخابه لفترة ثانية بموجب الدستور. لكن فى ظل الظروف الصعبة والضاغطة التى لا تعرف إدارة الرئيس كيف تواجهها يرشح البعض ألا تتأخر مرحلة ما بعد مرسى طويلاً.
وفى تقديرى هناك خطورة عظيمة فى استعجال عصر ما بعد مرسى. لكن الخطورة أكبر لو رأى الرئيس أن يكمل مدته بنفس الأسلوب. عليه أن يختلى بنفسه ويفكر كيف يجب أن يُسجل اسمه فى كتاب التاريخ وكيف يحب أن يتذكره الناس. والناس إلى الآن معظمهم لم ير خيراً يتذكره. فمصر تئن والرئيس يستطيع لو أراد أن يخفف أنينها ولو بدل أيضاً من منهاجه. يستطيع لو استوعب الناس جدياً وليس صورياً ولفظياً. يستطيع لو تجرأ وأنزل العدالة الثورية على رؤوس زبانية النظام القديم ليحفز مؤسسات الدولة المتظاهرة بالعجز على هيبته والقيام بواجبها فى خدمة المجتمع.
يستطيع الرئيس، بل عليه، أن ينقل مصر بأمان إلى مرحلة ما بعد مرسى، لو فرق بين المسافة الروحية والمسافة السياسية بينه وبين جماعة الإخوان. فمن حقه أن يحتفظ بالعلاقة الروحية مع الجماعة التى تكون وجدانه فى حلقاتها. لكن عليه أن يوسع المسافة السياسية بينه وبينها. لكنه ما زال إلى الآن يخلط الروحى بالسياسى ويترك الجماعة تتدخل فى قراره مثلما تستحوذ على عواطفه. ولو أنه فعل وفصل العاطفى عن السياسى وأبعد الجماعة عن الرئاسة، والمقطم عن القصر، لخرج الناس يؤيدونه، لأنه وقتها سيكون قد طبق صحيح الإسلام بالوقوف محايداً بين رعيته، لا ينحاز لجماعة منهم على حساب باقى المجتمع.
لكن هذه الأمنيات لا تحظى باهتمام الرئيس. ولأنها أمنيات محبطة فقد بدأ الناس يفكرون فيما بعد مرسى ليعوضوا آمالهم التى عقدوها عليه ثم رأوها تضيع فى عصره. والناس لا تخرج لتحتج لأنها لا تريد أن تتعاون معه وإنما لأنه لا يريد أن يتعاون معها. تخرج لترسل له نداءً تلو نداء. يتمنون منه أن يحكم بالعدل وأن يتخلى عن توريث رئيس إخوانى آخر من بعده. وهو إلى الآن لا يستجيب. وذلك أمر شديد الغرابة لأن الماضى القريب شهد أن قوى الأمن لم تستطع أن تضمن عصر ما بعد مبارك، كما كان يتمناه آل مبارك، فكيف تستطيع قوى الإخوان أن تضمن عصر ما بعد مرسى كما تتمناه الجماعة؟