إذا امتلأ الإناء ينضح بما فيه، وإذا تلاقت المعلومات ترسم وجه الحقيقة، فإذا اندفعت جماعة -دون رأس حكيم- بمنتهى التهور إلى طريق «التمكين» يكون السقوط الحتمى فى انتظارها. تلك كلمات عمرها يقترب من العام، أعيد نشرها -حرفياً ودون أى تدخل- لربما تجد صدى داخل أى عقل إخوانى يسعى للتخلص من نظرية المؤامرة سابقة التجهيز، والبحث -بفكر مستقل- عن أسباب السقوط:
بينما كانت «صدمة المفاجأة» تسيطر على من حولى، وهم يحملقون فى الوجه «الممتقع» للمتحدث باسم الرئاسة أثناء الإعلان عن إحالة المشير والفريق للتقاعد، كان السؤال يضرب رأسى: هل هى الجولة الأخيرة لـ«معركة السلطة» فى مرحلتها الانتقالية طويلة المدى بين الجيش والإخوان؟
لم يكن للمشير وفريقه -حسب «التوقعات المرئية للفترة الانتقالية»- أى قدرة على القيام بأى حركة انقلابية ضد سلطة الرئيس الإخوانى، لأن «الكرسى لو ضُرب فى الكلوب»، سيكون -ومن معه- أول الضحايا، والاتهامات جاهزة: فلول.. ثورة مضادة.. قتل شهداء.. ووضع «داخلى» ربنا أعلم بحاله.
إذن، كان المجلس العسكرى بتشكيله القديم «مجلس من ورق»، وأقصى ما فى وسعه أن يضرب التحية لـ«جوز أمه الجديد»، والذى حتماً لا بد أن يقول له سمعاً وطاعة «يا عمى»، ناهيك عن «مستنقع الغباء» الذى أدار به المرحلة الانتقالية، وحَسِبَه -وقتها- المتعلقون بـ«قشة النجاة» من دولة المرشد «بحراً من الذكاء».
الآن، وبعد أن عاد الجيش -كما كان يتمنى وزير دفاعه الجديد- إلى ثكناته بـ«ما تبقى له من كرامة»، وبعد أن أصبحت «الإخوان» وحدها -رئيساً وجماعة- فى وش مدفع الشعب، معتقدة أن الفترة الانتقالية انتهت، وثمرة السلطة -بعد طول انتظار- سقطت فى الحجر، تحولنا إلى واقع جديد يمهد، ربما، لجولة جديدة من المعركة.
الجماعة من جانبها تندفع بتهور إلى داخل مغارة الدولة بحثاً عن الكنز -الذى تراه حقاً أصيلاً لها يعوضها عن سنوات الحرمان والاعتقال- بعد أن فتحتها بكلمة السر «افتح يا سى سى»، وأطاحت بجنرالات العهد القديم، والإعلان الدستورى المكبل، غير أن الجماعة فى اندفاعها المتهور لم تلتفت إلى الحقائق الملقاة على جوانب المغارة.
أولاً، الجماعة -وإن نفت وتهكمت واتهمت- ترتكب أخطاء النظام السابق بالكربون: تكويش وإقصاء و«ضحك -بالدقون- على الشعب».
ثانياً، الجماعة تراهن على قدرتها على تحريك الشارع، وعدم قدرة الشارع على التحرك ضدها، والثورة أسقطت فى هذا الشأن كل «الحسابات الجامدة».
ثالثاً، الجماعة -بغض النظر عن «مشروع» أو «وهم» النهضة- غارقة حتى رأسها فى تثبيت أركان حكمها، دون أن تقدم «رؤية» حقيقية لانتشال البلد ووضعه على طريق التقدم.. الوحيد الذى يثبّت أركانها فعلاً.
رابعاً، إذا وصل الشعب -والمؤشرات لا تستبعد ذلك مع استمرار تدهور أحوال المعيشة- إلى مشارف «ثورة الجياع»، فأبداً لن تستطيع جماعة -مهما ضربت جذورها فى الشارع- أن تقف أمامها.
النقطة الأخيرة تعيدنا مرة أخرى إلى دور الجيش، لأنه سيترك وقتها -بالطلب- ثكناته ويرتدى «سترة الإنقاذ» من جديد، وتتحول «افتح يا سى سى» من كلمة سر لباب «المغارة» إلى كلمة سر لباب «المغادرة».
الثلاثاء 2 أكتوبر 2012