جيل الوسط فى الحياة العامة المصرية

يوسف وردانى

يوسف وردانى

كاتب صحفي

تشهد مصر بعد ثورة 30 يونيو مشاهد صامتة على صعود جيل الوسط فى الحياة السياسية المصرية، وهو الجيل الذى يتراوح عمره من 35 إلى 45 سنة. لكن هذه المؤشرات تاهت لدى كثير من المحللين بسبب انشغالهم بالحديث إيجاباً أو سلباً عن مظاهر تمكين الشباب تحت سن 35 سنة سواء من خلال البرنامج الرئاسى لتدريب الشباب على القيادة فى الشريحة العمرية من 22-30 سنة أو كوتة الشباب فى الانتخابات البرلمانية والتى أفرزت 59 نائباً تحت سن 35 سنة أو إنشاء بعض المحافظين لمجالس استشارية تابعة لهم من الشباب، كما حدث فى محافظتى الغربية والدقهلية، أو حتى تخصيص الدستور ربع عدد مقاعد المجالس الشعبية المحلية للشباب فى الشريحة العمرية 21-35 سنة.

مؤشرات تمكين جيل الوسط تظهر فى وجود 195 نائباً تحت سن 45 سنة بنسبة 32% من إجمالى عدد مقاعد مجلس النواب البالغ 596 نائباً، ويشغل عدد بارز منهم مناصب قيادية فى هيئات مكاتب عدد من لجان البرلمان أبرزها الشباب والرياضة والعلاقات الخارجية والشئون الدينية والأوقاف والإسكان والمرافق والصناعة والمشروعات الصغيرة والمتوسطة. كما تبرز فى وجود 41 معاوناً للوزراء من الشباب فى الشريحة العمرية 30-40 سنة، وفى وجود معاونين لمديرى مديريات الشباب والرياضة فى عدد 16 محافظة، وهى تجربة استحدثتها وزارة الشباب والرياضة منذ سنتين لتفعيل دور شباب العاملين على المستوى المحلى. وكذلك فى وجود 1.9 مليون موظف تحت سن 40 سنة فى الجهاز الإدارى للدولة بدأ تصعيد عدد ملموس منهم لوظائف الإدارة العليا فى دواوين الحكومة، وتعتمد عليهم غالبية مكاتب الوزراء والمحافظين. فعلى سبيل المثال يوجد 7 مديرى عموم تحت 40 سنة فى وزارة الشباب والرياضة، ونحو 90% من العاملين فى مكتب وزير الشباب والرياضة من نفس الشريحة العمرية. وسوف يزيد هذا العدد بصورة مضطردة فى السنوات المقبلة خاصة مع تصريح رئيس الجهاز المركزى للتنظيم والإدارة بأن نحو 40% من إجمالى العاملين بالجهاز الإدارى سيبلغون سن التقاعد قريباً.

صعود جيل الوسط لا يقتصر فقط على المؤسستين التشريعية والتنفيذية، فقد شهدت حركة التغييرات الصحفية الأخيرة تعيين شباب من هذا الجيل فى مناصب رؤساء تحرير الصحف وتحديداً فى مجلات روزاليوسف والمصور والهلال، وجريدتى روز اليوسف والبروجريه المصرية، والتى تولت رئاسة تحريرها شيماء عبدالإله وهى فى الثلاثينات من عمرها. نفس الشىء نلمسه فى الطفرة الحادثة فى عدد المذيعين الشباب، والتى يلحظها الجميع على الشاشة وفى إدارة جلسات المؤتمرات الشهرية للشباب ومؤتمرات الرئاسة الأخرى.

ورغم كل هذه المؤشرات الإيجابية، إلا أن هناك المزيد الذى يمكن فعله. فعلى مستوى الوزراء والمحافظين ورؤساء المجالس والأجهزة الحكومية، لا توجد إلا نماذج محدودة تحت سن 45 سنة، منها محمد بدر محافظ الأقصر الذى تولى منصبه فى 2016 وهو فى عمر 43 سنة، والمستشار الدكتور محمد جميل رئيس الجهاز المركزى للتنظيم والإدارة، الذى تولى منصبه فى نفس العام وعمره 41 سنة، وعدد محدود من نواب ومساعدى الوزراء.

ولا تزال حركة تمكين جيل الوسط بطيئة على مستوى الأحزاب السياسية باستثناء نماذج محدودة أبرزها حزب المؤتمر الذى يشغل أحد نواب رئيسه الستة شاب منتخب عمره 36 سنة، بالإضافة إلى مساعد رئيس الحزب والمتحدث الرسمى باسمه وهو فى الـ38 سنة من عمره، وتضم عضوية مجلسه الرئاسى المكون من ستة أعضاء رئيس اتحاد شباب الحزب، والحزب المصرى الديمقراطى الذى يضم مكتبه السياسى أربعة أعضاء تحت سن 45 سنة، منهم اثنان تحت سن 35 سنة، أحدهم شاب فى عمر الـ25 سنة تم انتخابه منذ عامين، وحزب الوفد الذى تضم هيئته العليا ثلاثة أعضاء تحت سن 45 سنة.

ولا تفوتنى هنا الإشارة إلى وجود جيل أصغر سناً يتولى مناصب قيادية فى بعض الأحزاب مثل حزب «مستقبل وطن» الذى يرأسه شاب فى عمر الـ31 سنة خلفاً لرئيسه السابق فى عمر 23 سنة، وغالبية أعضاء هيئاته القيادية العليا من الشباب تحت 40 سنة، وحزب العدل الذى يتولى أمانة تنظيمه شاب فى عمر الـ27، وحزب الوفد الذى تتميز تجربته بالنص على تمثيل الشباب فى لائحته الأساسية المعدلة فى مايو 2015 وذلك من خلال وجود خمسة سكرتارية للهيئة الوفدية ممن يقل عمرهم يوم الانتخاب عن 35 عاماً، وخمسة أعضاء فى الهيئة العليا للحزب تحت نفس السن سوف يتم تصعيدهم فى الانتخابات المقبلة.

بعض الإجراءات العاجلة المطلوبة قد تشمل تعيين عدد من الشباب ذوى الكفاءة وعن طريق مسابقات عامة فى مناصب نواب المحافظين، وذلك بما يسهم فى تحقيق وعد الرئيس أثناء لقائه بالبرنامج الرئاسى لتدريب الشباب على القيادة فى يوليو 2016 بأنه سيكون هناك وزراء ومحافظون شباب خلال عامين، ويحقق ما تعهد به رئيس مجلس الوزراء فى بيانه أمام مجلس النواب فى مارس 2016 حول ذلك. يتزامن مع ذلك فتح نقاش جاد حول دور معاونى الوزراء وحجم الاختصاصات الممنوحة لهم فى إطار خطة الحكومة لخلق صف ثانٍ يجدد دماءها، وأن يتزامن تصعيد القيادات مع منحهم القدرة على اتخاذ القرارات اللازمة، كما تشمل تعديل قانون الأحزاب السياسية بحيث يتم إلزامها بأن تنص فى نظمها الأساسية على نسب معينة لتمثيل الشباب فى أجهزتها الرئيسية أسوة بقانون الأحزاب السياسية فى المغرب على سبيل المثال.

هذه الإجراءات لا يمكن لها أن تكتمل بدون خلق الثقافة الداعمة لمشاركة جيل الوسط فى الحياة العامة بحيث تكون تلك العملية نابعة عن اقتناع حقيقى وليس عن طريق إجراءات تشريعية وقانونية فحسب، وأن يكون هناك إيمان لدى كافة المسئولين ومتخذى القرار بقيمة تعاقب الأجيال وتسليم الراية من جيل إلى آخر.

وأختم هذا المقال بملاحظة أراها طريفة ولكنها دالة عن اختفاء وظيفة «التباع» فى سيارات الأجرة، الذى كان ينظر إليه الركاب على أنه السائق المقبل، ولكنها إرادة القدر والقائد وسبحان من له الدوام.