الطائرة التركية وقيود ضرب سوريا

سامح راشد

سامح راشد

كاتب صحفي

جاء إسقاط سوريا لطائرة عسكرية تركية قبل أيام، أشبه بحجر ألقى فى مياه راكدة. فقد أحيا الحادث فى الأذهان شبح التدخل العسكرى الخارجى المباشر، بعد أن كان توارى بعيداً نتيجة قيود إقليمية ودولية. بيد أن الجديد الذى أثارته عملية إسقاط الطائرة التركية، هو ضرورة الانتباه إلى توازن القوة العسكرية الفعلى بين سوريا وأى من الدول التى قد تفكر فى استخدام الخيار العسكرى ضد دمشق، سواء فى الوقت الراهن أو لاحقاً. فطوال الفترة الماضية كانت الاعتبارات السياسية هى الكابح الرئيسى لفكرة التدخل العسكرى الخارجى المباشر. وفى المرتبة التالية تأتى العوامل الجيواستراتيجية والطوبوغرافية المتعلقة بالتداعيات الإقليمية لضرب سوريا والصعوبات العملياتية المرتبطة بطبيعة الميدان وتعقد الموقف على الأرض. أما ميزان القوة الفعلية المجردة لسوريا فى مواجهة القوى الأخرى، فلم يكن يتصدر حسابات الأطراف أو محددات قرارها باللجوء إلى العمل العسكرى أو استبعاده. وذلك بفعل الخبرة التاريخية القريبة لتطور القوة المسلحة السورية فى مرحلة ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتى وضعف قدرة وريثته روسيا على توفير الدعم والغطاء التسليحى المتقدم للدول الحليفة، مقارنة بمعظم الدول المحيطة بسوريا، خصوصاً تركيا وإسرائيل المتقدمتين عسكرياً وتكنولوجياً سواء بقدراتهما الذاتية أو نتيجة الارتباط العضوى للأولى مع حلف الناتو وللثانية مع الولايات المتحدة الأمريكية. لذا كان المتصور أن أى عملية عسكرية خارجية ضد سوريا لن تكون أكثر من نزهة للدولة أو الدول القائمة بها. وأن ضرب القوة العسكرية السورية بل وتدميرها ليس محل شك ولا يحتاج إلى تفكير طويل، مقارنة بالتداعيات السياسية للضربة وتأثيراتها الداخلية والإقليمية. من هنا كان نجاح دمشق فى رصد وتتبع وإسقاط الطائرة العسكرية التركية مفاجأة من شأنها دفع أنقرة وكذلك بقية الدول التى طالما اعتبرت الخيار العسكرى محسوم النتيجة ومرهونا فقط بالقرار السياسى، إلى إعادة النظر فى حساباتها الاستراتيجية المتعلقة بالأزمة السورية، وتحديداً الشق المتعلق منها بمدى القدرة على اختراق الدفاعات السورية سواء بواسطة طائرات الاستطلاع أو الطائرات المقاتلة، ولا بد من التذكير بأنه سبق لدمشق أن تعرضت فى السنوات القليلة الماضية لعمليات اختراق جوى لأجوائها، منها اثنتان فى سياق قصف مباشر قامت به إسرائيل مرة والولايات المتحدة مرة أخرى، بينما الثالثة كانت عملية استعراض جوى قامت بها طائرات عسكرية إسرائيلية حلقت فوق العاصمة دمشق واقتربت من قصر الرئاسة. ورسخت تلك الاختراقات الانطباع بأن القدرة العسكرية السورية قد اضمحلت بما سمح للطيارين الإسرائيليين بالعربدة فى سماء دمشق. وغنى عن البيان أن الدعم العسكرى الروسى لدمشق قد تزايد بشدة فى الأشهر الأخيرة، فضلاً عن التعاون والتنسيق السورى المستمر مع إيران. ويصعب النظر إلى نجاح المضادات السورية فى إسقاط الطائرة التركية بمعزل عن هذا السياق. إلا أن وجود عنصر المساعدة الخارجية لدمشق سواء من جانب موسكو أو طهران لا يغير من المحصلة النهائية لتلك العملية ودلالاتها المهمة لجهة إمكانية اللجوء إلى التدخل العسكرى الخارجى ضد دمشق. بل يزيد هذا العنصر من صعوبة وتعقيد الحسابات والمعطيات التى يجب مراعاتها لدى التفكير فى هذا الخيار، سواء فى المرحلة الحالية، وهو أمر مستبعد أصلاً، أو مستقبلاً حال تجاوز الكوابح السياسية المقيدة للعمل العسكرى.