أصالة: «كوكايين السلطة»

سحر الجعارة

سحر الجعارة

كاتب صحفي

أحياناً يرفض العقل تصديق «تهمة ما» توجه لإنسان تعرفه وتحبه وتؤمن به، وقد يحدث هذا أيضاً مع إنسان لم تقابله ولا مرة فى حياتك، لكن مواقفه الإنسانية والفكرية والسياسية تجعلك تحكم عليه وتضعه فى إطار خالٍ من الشوائب يحصنه من الأفعال التى ترتبط بعالم الجريمة.

حين قرأت خبر توقيف الفنانة «أصالة» فى مطار «رفيق الحريرى» بتهمة حيازة 5 جرامات كوكايين، لم يستوعب عقلى الخبر، وتداعت فى رأسى كل مواقف أصالة السياسية والإنسانية.. والتى تجعلها هدفاً لما يسمى بـ«اغتيال الشخصية».

وما بين أنباء عن وجود آثار للمادة المخدرة فى دمها، ثبتت فى الفحص الطبى، وبين تكذيب ذلك، وصلت «أصالة» إلى مصر بعد إطلاق سراحها.. وتهافتت وسائل التواصل الاجتماعى على صورها مع عائلتها وتناقلت تصريحاتها.. وأنا ما زلت فى حالة ذهول.

حين هاجمت الفنانة «رغدة» بشراسة موقف «أصالة» من الثورة السورية، وجرحت فيها وتعمدت أن تؤلمها، بكت «أصالة» على الهواء، (فى برنامج نيشان 2)، كان معظمنا -آنذاك- فى خندق «أصالة» نفسه.. كانت ثورة 25 يناير قد بعثت روحاً جديدة فى الشعب المصرى، الذى انحاز لما سمى ثورات «الربيع العربى».. ولم تكن الخدعة قد انكشفت ولا الثورة ضاعت بعد.

وقتها كان حديث «أصالة» عن دعم الشعب السورى فى ثورته على «بشار الأسد» هو مثل موقفنا، وحين قالت: «لو كان بشار الأسد أبى لوقفت ضده وعارضته، كما أننى أقف ضد أخى وأعارضه؛ لأنه يدعم نظام بشار الأسد»، ولما وصفت شقيقها بالخائن لأنه يدعم نظام «بشار» اعتبرنا موقفها قمة الشجاعة والوطنية.. لكن نحن تغيرنا!!

تغيرت مواقفنا، بعدما انكشف مخطط تفكيك الدول العربية لنا، ولم تتغير «أصالة» وانحازت لشعبها، مؤكدة أن «الشعب هو الوطن».. ونحن -من هنا- بعيداً عن نار الحرب، نفتى ونحلل ونتمسك ببقاء «بشار» لأنه الضمانة الوحيدة لعدم سيطرة الإخوان والتنظيمات الإرهابية على سوريا.

فهل تدفع «أصالة» ثمن مواقفها وآرائها السياسية؟

ربما.

رغم اختلافى مع موقف «أصالة» السياسى تماماً، فأنا أختلف أيضاً مع المحاولات الوحشية لنهش سمعتها، والتعريض بها، ووضعها فى خانة ناكرة الجميل، وهو الدور الذى قامت به «رغدة» حين عايرتها بأنها تم علاجها على نفقة نظام الأسد من مرض شلل الأطفال.. فردت «أصالة» بأنها أيضاً غنت دون أى مقابل مادى وقدمت حفلات وطنية لسوريا.. ولها أغنية شهيرة بعنوان «حماك الله يا أسد».

كل هذا يطرح علاقة الفنان بالنظام القائم، تلك العلاقة التى تبدأ بالغزل والود من الطرفين، وتصل إلى احتكار الأصوات والمواقف، وقد تنتهى بالاغتيال المعنوى أو المادى!

إنها العلاقة التى بدأت بصوت «حليم» وزعامة «ناصر» الاستثنائية، وأصبحت نموذجاً تم تقليده بتشوهات كثيرة، حتى وقتنا هذا، ولا يزال الفنان والمثقف والإعلامى ورجل الدين يسعى إليها ورجال السلطة يُنعمون عليهم بدرجة «القرب» المسموح بها.. وهذا هو الكوكايين الفعال.

المخدر الحقيقى للشعوب هو احتكار السلطة للقوى الناعمة، وتسخير المبدع للترويج لـ«شخص» بدلاً من دعم وطن، وهو ما يسمى «شخصنة» الأوطان، وهى آفة العرب جميعاً.. هذا تقريباً ما حدث لـ«أصالة».

حين أرادت «أصالة» التمرد، والتطابق مع معتقداتها السياسية ومشاعرها الوطنية، كانت قد فقدت هذا الحق.. لم يعد من حقها أن تكون نفسها لأنها «ملك النظام».. ولأن أعضاء «الجوقة الرئاسية» لبشار لن يقبلوا تعريتهم وفضحهم فلا بد من إسقاطها من عرش النجومية وتلويث سمعتها عند الجمهور ونزع المحبة من قلوبهم.

حتى لو كانت قراءتى خاطئة لما تتعرض له «أصالة» كلما زارت بيروت، فإن تحليل العلاقة الشائكة والمعقدة بين الفن والسلطة ليس بعيداً عن عالمنا.

نحن شعوب غاية فى القسوة، نستمتع بالفن، ونستغل الفنان نفسه فى الدعاية السياسية وتسول التبرعات الخيرية، فإذا سقط نقتله بالشماتة والنميمة!

«إلا أصالة».. التى ثار الجمهور والوسط الفنى من أجلها.. إنه يقين خاص منح البراءة لنجمة أرادوا إسقاطها من السماء فتمسكت بالناس، الذين عاشت بينهم ترفع شعار: «نار الشعب ولا جنة النظام».