بعد ثمانية أعوام وثمانية أشهر كاملة، تحرك فجأة ملف وفاة الزعيم الفلسطينى الراحل ياسر عرفات. وأعلنت السلطة الفلسطينية أنها بصدد فتح تحقيق موسع فى ملابسات الوفاة وتتبع أبعادها حتى تتبين ما إذا كان عرفات قد مات ميتة طبيعية أم تعرض لعملية تصفية متعمدة. هذه الهبة المفاجئة من أجل استبيان حقيقة وفاة عرفات، تثير التساؤل حول دوافعها وتوقيتها أو بالأحرى تأخر توقيتها حتى الآن، فالحديث عن «قتل» عرفات ليس جديداً إذ أثيرت شكوك كثيرة فى غموض مرضه الأخير وعجز الأطباء عن تفسير حالته، فضلاً عن علاجه، كما حاول بعض الساسة الفلسطينيين فتح هذا الملف والدعوة إلى إجراء تحقيق فى ملابسات الوفاة، بل وجه فاروق القدومى أمين سر حركة فتح اتهاماً مباشراً لمحمود عباس ومحمد دحلان بالتورط فى مؤامرة إسرائيلية لقتل عرفات، إلا أن جهة واحدة لم تحرك ساكناً، لا الفلسطينيون الرسميون (السلطة الفلسطينية) التى كان الرجل على رأسها، ولا حركة فتح ورفاق النضال الطويل معه، ولا الدول العربية التى كانت مواقفها منه متباينة إلى حد التناقض، وبالطبع لم يكن متصوراً أن تبادر إسرائيل أو تسعى الولايات المتحدة -أو أى طرف غير الفلسطينيين والعرب- إلى الكشف عما تعرض له عرفات فى أيامه أو ربما شهوره الأخيرة، حتى جاءت القنبلة التى فجرتها قناة «الجزيرة» قبل أيام، لتعيد فتح الملف رغماً عن الجميع، فقد قامت «الجزيرة» بجمع متعلقات عرفات بموافقة أسرته، وتابعت إخضاعها لتحليل معملى دقيق فى مختبر بسويسرا، وأثبتت الفحوصات أن تشبع متعلقات عرفات بعنصر البلوتونيوم -210 المشع بنسب مرتفعة، وبالطبع كانت النسبة أعلى بأضعاف قبل ثمانى سنوات عندما مات عرفات، الأمر الذى يطرح بقوة احتمال أن يكون عرفات قد مات مُشععاً بواسطة العناصر المشعة الموجودة فى هذا العنصر.
من غير الواضح حتى الآن دوافع إقدام «الجزيرة» على هذه الخطوة وإثارة هذا الموضوع مجدداً بهذا الدأب والتدقيق. لكنها تحتمل تفسيرات متعددة، ربما من بينها وضع قيادات ورموز سياسية فلسطينية فى حرج سياسى كبير أمام الشعب الفلسطينى، وتحميلهم مسئولية وفاة عرفات، إن لم يكن بالمشاركة الفعلية فبالعلم والموافقة، ما يعنى بالضرورة «حرقهم» سياسياً، وهناك بالطبع العامل المهنى الذى يدفع إلى البحث عن سبق إعلامى وسياسى.
إذن بالفعل كانت هناك علامات استفهام كثيرة وراء وفاة عرفات كانت بحاجة إلى إجابات شافية أو على الأقل كان على السلطة الفلسطينية بل والدول العربية السعى وراءها بجدية، وهو ما يعنى بدوره أن قتل عرفات جسدياً سبقه قتل معنوى كان واضحاً لمتابعى الشأن الفلسطينى وعلاقات عرفات مع مختلف الأطراف المعنية بالقضية، حيث تعرض لحصار إسرائيلى وتجاهل عربى وحيرة وتشتت فلسطينى، لأنه لم يستجب لابتزاز إسرائيل وضغوط واشنطن، رحم الله ياسر عرفات، حقق إنجازات وارتكب أخطاء، وفى النهاية تعرض للقتل حياً وميتاً.