ملاذ الباحثين عن تقارير طبية لإثبات الحالة: عيادات العمل.. منتهى الإهمال
ملاذ الباحثين عن تقارير طبية لإثبات الحالة: عيادات العمل.. منتهى الإهمال
- أشعة رنين
- الثالثة عصرا
- بوابة حديدية
- تقارير طبية
- زحام المرضى
- ساعات طويلة
- سوء المعاملة
- سيد عيد
- قسم الاستقبال
- مرة أخرى
- إصابات العمل
- أشعة رنين
- الثالثة عصرا
- بوابة حديدية
- تقارير طبية
- زحام المرضى
- ساعات طويلة
- سوء المعاملة
- سيد عيد
- قسم الاستقبال
- مرة أخرى
- إصابات العمل
من داخل غرفة كُتب على يسارها «حجرة طبيب»، خرج بقدم يسرى مكسورة غطى الجبس أغلبها، مستنداً على عكازه الخشبى، حتى وصل إلى مقعد فى الواجهة، ليجلس عليه بعد عناء، وعلى وجهه علامات غضب دلت على ما هو فيه، بعد أن طلب منه الطبيب أشعة رنين سوف يجريها على حسابه الخاص خارج المستشفى: «الواحد زهق من القرف اللى بيشوفه هنا»، حدّث بها «المريض الغاضب» زميله فى الإصابة الجالس بجواره، قبل أن يدخل فى دقائق صمت أغمض فيها عينيه من الألم، حتى أتت إليه ابنته وفى يديها بعض أوراق كانت توقعها من الطبيب، ليقف مستنداً على كتفها النحيل ويتجها معاً نحو باب الخروج موليين ظهريهما للمرضى المنتظرين دورهم فى الدخول.
{long_qoute_1}
كان ذلك مشهداً ضمن العديد من المشاهد المتشابهة، كانت كلها حاضرة فى عيادة إصابات العمل التابعة لمستشفى النصر للتأمين الصحى بحلوان، فى الثامنة من صباح كل يوم، يبدأ العمال والموظفون المصابون فى التوافد عليه، فيدخلون من بوابة حديدية كبيرة مخصصة لهم، ومنها إلى بوابة أخرى أصغر حجماً على يسار الداخل، كتب على لافتة مقابلة لها: «إصابات العمل»، من خلفها كانت المقاعد الخشبية متراصة بجوار بعضها فى طرقة ضيقة استقرت فى نهايتها حجرة مدير العيادة.
ساعات طويلة يقضيها المريض فى هذه العيادة بين أماكن ثلاثة، تبدأ من حجرة المدير، الطبيب السبعينى المحال إلى المعاش، الذى يدير عيادة إصابات العمل «باليومية»، حسب ما قال المرضى، فيكون عامل السن هو العائق الأول أمام المريض: «خلقه ضيق ومبنعرفش نتعامل معاه ولو حد نرفزه ممكن يقفل العيادة ويمشى، كأن العيادة دكانة بقالة»، يقولها أحد المرضى.
خطوة أولى ينتهى منها المريض فى حجرة المدير، يتجه بعدها إلى غرفة الأرشيف المجاورة لها، حيث معاناة أخرى مع موظف الأرشيف، ستينى، خف الشعر عن رأسه، وعلى أذنه اليمنى كان قلمه الذى لا يفارقه، ومن رقبته تدلت نظارة طبية سميكة، لم تغنه عن ملاصقة أوراق المرضى لوجهه حتى يتمكن من قراءتها، وبعد التأكد من اكتمالها يلقى عن عينيه نظارته، قبل أن ينظر إلى المريض طالباً منه الرجوع مرة أخرى إلى غرفة المدير وانتظار دوره فى الدخول.
{long_qoute_2}
زحام المرضى أمام عيادة إصابات العمل يزداد كلما مر الوقت، حتى امتلأت المقاعد عن آخرها، فكان آخرون فى الطرقة الخارجية بين واقف وجالس على الأرض، فهى ثلاث ساعات فقط يقضيها المدير فى العيادة، تبدأ من التاسعة صباحاً، رغم أن مواعيده الرسمية يفترض أن تنتهى فى الثانية ظهراً، حسب قول المرضى، وهو ما يمثل العائق الأكبر لهم، فمن هذه الحجرة تبدأ وتنتهى أوراق اعتماد الإصابة والإجازة، حيت يتم تحويل المريض منها إلى الطبيب المختص، ليبدأ جولته قبل الأخيرة، التى يجب أن يأتى بعدها مرة أخرى من حيث بدأ، من أجل أخذ التوقيع الأخير، إلا أن هذه الخطوة لا يمكن أن ينجزها المريض فى يوم واحد، فمواعيد عيادات الكشف لا تتناسب مع مواعيد مدير العيادة، ومن ثم يضطر المرضى للعودة مرة أخرى فى اليوم التالى لإنجاز ما يريدون.
«مش عارف هم جايبين دكتور الإصابات ده منين، هو نفسه عايز حد يكشف عليه»، يقولها «على محمد»، أحد المرضى الذى يتردد على العيادة منذ أربعة أعوام مضت، يعالج من حادث حرق تعرض له، وهو ما جعله يرى الكثير من «المهازل» داخل عيادة الإصابات فى زيارته لها مرة واحدة كل أسبوعين: «المدير مبيعملش حاجة غير إنه بيحول الناس للعيادات وخلاص، ولو مريض جاله مظلوم من الدكتور اللى كشف عليه مبيفكرش يعمل له حاجة». فى الجهة المقابلة من حجرة «المدير» كانت تلك السلالم، تأخذ مرتاديها إلى الطوابق العليا، حيث عيادات الكشف التى يتم تحويل مرضى الإصابات إليها، وأمام هذه العيادات جلس المرضى فى زحام كبير، منهم من ينتظر دوره فى الدخول، ومنهم من ينتظر طبيبه الذى لم يأت بعد، ومن بين الجالسين كان «محمد عبدالفتاح»، رجل ذو بشرة مائلة إلى السمار، جلس فى ركن بعيد، مسنداً جبهة رأسه الأشيب على يديه المتكئتين على عكازه القديم، طالت ساعات انتظاره التى بدأت من الثامنة صباحاً، حيث الموعد المحدد له سلفاً مع طبيب الجراحة: «لما سألت قالوا هييجى الساعة 12 ومفيش قدامى حل تانى غير إنى أستنى».
لم تكن ساعات الانتظار هى المعاناة الأكبر بالنسبة لـ«محمد»، وإنما تحدث عن الكشف بطريقة «مشى حالك»، ونقص الأدوية، فضلاً عن سوء المعاملة: «الدكاترة بيقولوا لنا اشتروا العلاج من بره عشان اللى هنا مش حلو، غير إن الحياة هنا مش آدمية، وبيزعقوا فى الناس وممكن يشتمونا، ومفيش حتى مراوح فى الأماكن اللى بنقعد فيها، ولو احتجنا ندخل حمام مبنعرفش».
«إهدى يا سيد إن شاء الله هنحلها»، جملة جاء صداها من بعيد لتتردد فى أركان حجرة المدير السبعينى فى الأسفل، الذى بدأ لتوه فى لملمة أدواته بعد أن انقضت ساعات عمله الثلاث، قالها أحد مرافقى «سيد عيد»، مريض انتظر دوره فى الدخول أمام عيادة الإصابات منذ التاسعة صباحاً، لتكون المفاجأة بعد أن دخل الجميع أن ملفه لم يأت بعد، فينتفض مسرعاً إلى غرفة الأرشيف، لتكون مفاجأة أخرى بانتظاره: «ورقة الكشف بتاعتك ضاعت»، وأن عليه الانتظار حتى الثالثة عصراً ليدخل للطبيب المختص مرة أخرى، ومن ثم عليه العودة فى يوم آخر لاعتماد إجازته، وهو ما أخرجه عن هدوئه ليصرخ فيهم بصوته الغاضب قائلاً: «كان يوم أسود يوم ما جيت أعمل إصابة، أنا أجازتى خلصت قبل ما اعتمدها».
كان هذا اليوم هو الثالث لـ«سيد» داخل عيادة الإصابات، حيث جاء قبل يومين مصاباً، وبعد أن ضمد له قسم الاستقبال جرحه، كان مدير عيادة الإصابات قد أغلقها، ليكون مضطراً للعودة فى اليوم التالى، وبعد جولة طويلة انتهت فى الرابعة من عصر هذا اليوم، كان عليه أن يأتى يوماً آخر لاعتماد إجازة قدرها 10 أيام أقر له بها الطبيب المختص، إلا أن ما حدث جعله فى حاجة إلى يوم رابع لا يعلم ما ينتظره فيه.