خلايا التفكير لمواجهة التكفير
- الإعلام الغربي
- الجماعات المتطرفة
- الساحة السياسية
- السياسية الداخلية
- الشبكة العنكبوتية
- الشرق الأوسط
- الصحافة الصفراء
- العمل الإرهابى
- آثار
- أبحاث
- الإعلام الغربي
- الجماعات المتطرفة
- الساحة السياسية
- السياسية الداخلية
- الشبكة العنكبوتية
- الشرق الأوسط
- الصحافة الصفراء
- العمل الإرهابى
- آثار
- أبحاث
الصرعة الرائجة هذه الأيام فى بريطانيا ودول غربية أخرى هى دراسة أسباب الميل إلى الراديكالية Radicalization، والبحث المعمق فى ظاهرة الإرهاب الذى ينمو فى البيت Home grown terrorism، والمفردات مبهرة، فلا هم يستخدمون كلمة «تطرف» أو «تشدد»، ولا يلجأون إلى «تمدد الإرهاب» أو «الفكر الإرهابى عابر الحدود». وفى الأولى تمسك بتلابيب عدم تحميل «المغالاة» الدينية معانى قد تحمل إساءة أو تلمح بمواقف معادية! وفى الثانية إشهار بتحمل قدر معقول جداً من اللوم على ما آلت إليه أحوال أشخاص ولدوا ونشأوا فى هذه الدول، أو حتى قدموا إليها وتم قبولهم مواطنين ومن ثم وجب تحمل مسئوليتهم.
مسئولية الدول فى مواجهة ما أخفقت فيه وما جانبها الصواب فى توقعه وحساب تبعاته من الأمور المثيرة للإعجاب. وعلى عكس ما نردده فى إعلامنا كلما وقع حادث إرهابى فى عاصمة أوروبية على يد مواطن أوروبى (من أصول غير أوروبية) بدافع التأثر بفكر الجماعات المتطرفة أو الوقوع تحت طائلة «داعش» الفكرية والتجنيدية عبر الشبكة العنكبوتية من «فرش ملاءة» الشماتة والتذكير بأن ما تعرضوا له إنما هو من باب «كما تدين تدان»، فإننى أرى فى تعامل الغرب مع «إرهابهم» دروساً تحتذى.
الدرس الأول هو أن نبرة تغليب الحس التآمرى تكاد تقتصر على الصحافة الصفراء ودوائر التعليقات، فقد تجد آلاف التعليقات على خبر قيام شاب من أصول عربية أو ضلوع لاجئ من منطقة الشرق الأوسط، فى تفجير هنا أو تفخيخ هناك، تدور فى دوائر «يجب غربلة الحاصلين على جنسيتنا وطرد المقبلين من ثقافات لا تحمل إلا الفكر الظلامى» أو «هناك ضرورة لمراجعة سجلات المنتمين لأصول عربية» أو «هذا ما نجنيه من سياسة فتح أبوابنا على مصاريعها لمن يعتبرون قتلنا فريضة» وغيرها كثير. وقد ينمو إلى مسامعك حوار هنا أو حديث هناك يدور حول «أولئك الإرهابيين الذين يريدون تحويل العالم المتحضر إلى غابة شرق أوسطية» أو «هؤلاء المختلين الذين لا يؤمنون إلا بالدم والعنف والقتل». لكن تظل نبرة الحديث المهيمنة وبشكل واضح بعيدة عن اعتناق نظرية المؤامرة. فلا حديث عن أصابع خارجية إلا مصحوبة بأدلة، أو تلميح بمؤامرة كونية إلا فى حال توافر مؤشرات.
والدرس الثانى هو اقتصار نظرية الشماعة على الساحة السياسية الداخلية، فقد يلوم «حزب العمال»، «حزب المحافظين» على إخفاق أدى إلى تقصير أمنى، أو يحمل الديمقراطيون الجمهوريين مسئولية مواجهة آثار سياساتهم التى أدت إلى إفقار هنا أو ارتماء فى أحضان جماعات مختلة هناك، لكنها تظل سجالات مندرجة تحت بند «الشأن الداخلى» وضمن أدوات المنافسة السياسية المحلية.
والدرس الثالث مشتق من هذا الارتماء فى أحضان الجماعات المختلة الذى بات صرعة دراسية ومسألة بحثية فى بلاد العالم الأول. العالم الأول الذى كان حتى وقت قريب مضى يعتبر الإرهاب والفكر الغارق فى التشدد مشكلات أجزاء أخرى من العالم بعيدة عنه وجد نفسه بين ليلة وضحاها ساحة لهذا الإرهاب. صحيح أن حجم الساحة وأعداد القتلى أقل بكثير، لكن مقتل مواطن هناك لا يساوى مقتل مواطن هنا.
والدرس الرابع يتعلق باختيار المفردات. صحيح أن المغالاة فى التحييد والإفراط فيما يسمى بـ«الصواب السياسى» أوPolitical correctness يخفف أحياناً حدة العمليات الإرهابية ويقلل من حجم المأساة، إلا أن الاتفاق على مفردات بعينها لوصف الأحداث والحوادث أمر مطلوب. وهو اتفاق مهنى ولا يتم بناء على إملاءات أو إجبار من هذه الجهة أو تلك. فأغلب وسائل الإعلام الغربية لا تبادر إلى وصف حادث فور وقوعه بأنه «إرهابى» لحين إعلان ذلك. قد تلمح إلى أنه يحمل سمات العمل الإرهابى لكنها لا تدق على هذا الوتر لحين ورود تصريحات الشرطة وجهات التحقيق التى تفيد ذلك.
والدرس الخامس يدور فى فلك التحرك بناء على تطورات الأحداث. فتواتر العمليات الإرهابية على أيدى مهاجرين أو أبناء الجيل الثانى أو الثالث من المهاجرين يعنى أن أجراس إنذار وتنبيه تدق لفهم ما يحدث. وفهم ما يحدث لن يقف عند حدود التعامل الأمنى وفرض المزيد من القيود والتدقيق فقط، لكنه يحتم فهم الجذور. وهنا تأتى صرعة بحث ودراسة العوامل المؤدية إلى اعتناق الراديكالية، ودون فهم لأسباب إعجاب البعض بالفكر الراديكالى (أو المتطرف أو المتعصب أو التكفيرى) لن يمكن مجابهة الفكر نفسه.
وهناك مراكز أبحاث كبرى وأخرى تسمى بـ«خلايا التفكير» Think tanks تخصص وقتها وتمويلها الحالى لدراسة عوامل الانجذاب للراديكالية (الإسلامية) وظاهرة الإرهاب الذى ينمو داخلياً أو فى البيت. وفى أعقاب حادث نيويورك الأخير الذى أقدم فيه المهاجر الأوزبكى سيف الله سايبوف على دهس المارة، نبهت صحف عدة إلى حتمية إيلاء قدر أكبر من الاهتمام والدراسة لمسألة الراديكالية عن بعد، أى اعتناق الفكر الراديكالى من قبل أشخاص يقيمون بعيداً عن منابعه. وفى السياق نفسه، ينشغل الباحثون بفهم ظاهرة الإرهاب المحلى أو النابع من الداخل، وذلك بعد سنوات وربما عقود من الاعتقاد بأن الإرهاب لا يصل إلى الغرب إلا على طائرة تحمل أجانب.
الدرس السادس هو حاجتنا الماسة إلى «خلايا التفكير» أو Think tanks حقيقية، وليس مجرد مركز أبحاث «سبوبة» هنا أو مركز دراسات هيكلى هناك. جانب كبير من سياسات الدول يعتمد على ما يرد إلى إداراتها من هذه الخلايا. وجانب كبير من نجاح بعض هذه السياسات أنها تأتى بناء على معطيات مدروسة وليس من منطلق شعور ما أو من باب التجربة.
هى دروس مستفادة، ربما يعكس بعضها حنكة فى تمويه ما يدار خلف الأبواب المغلقة، لكن ما يعنينا هنا هو حاجتنا الماسة إلى تلميع صورتنا عبر المزيد من المهنية، وتحسين خطابنا باستثمار بعض الوقت فى التفكير والتخطيط للمفردات التى نستخدمها والأحكام التى نطلقها على الملأ وإلا فإن خسارتنا الإعلامية مستمرة. هم يلجأون لخلايا التفكير لمواجهة التكفير، ونحن نتمسك بتلابيب التفجير الإعلامى لمواجهة هؤلاء وأولئك.