حكايات وطن 134

أمانى هولة

أمانى هولة

كاتب صحفي

أحياناً نُكره على اختيارات لا نملك فيها رفاهية حقيقة الاختيار.. ليلوح أمامنا أفعل التفضيل بين السيئ والأسوأ.. بين الردىء والأردأ.. وكأنها لعنة بشرية لا تزول بكل أنواع الرقية والبخور تتركنا دائماً فى المنطقة الضبابية بين التخيير والتسيير، تلك المنطقة اللانهائية فى تيه الفكر الإنسانى، التى أضاعنا فيها الفلاسفة والمفكرون على مدى عصور تطور فيها تراث البشرية، لكنه ظل تاركاً الكثير من الأسئلة بلا إجابات.. منذ البداية المشهودة.. وليدة غلطة قطعة فاكهة صغيرة.

انظر إلى ثوب البهية الممزق، وقد بدأ نزاع المتناحرين بحماقة رغم قلتهم يكشف بعضاً من سترها.. ويثخن جراحها المطعونة وياللعار من يد بعض من فجرة أبنائها.

ما بين الدولة العميقة وكهنتها المدافعين عن ثرواتهم غير المنطقية المغلفة بوسائل قبيحة ومبررات أكثر قبحاً مثبتة بإقرارات ذمة مالية بلا ذمة على الإطلاق، وقد شرعنوا مبادئ الخطف والسلب وقنّنوا الفساد والرشوة وأرسوا قواعد المحسوبية والواسطة ومارسوا التوريث فى كل شىء من القضاء إلى الشرطة.. القطاع العام.. حتى رأس الدولة، فدق نعشه بيديه.

وبين مبتزّى كل العصور باسم الدين، وهم لعنة الدين وخاذلوه الذين أباحوا دماءه وشوهوا بهاءه حتى استباح العالم إهانته.. حيث فى غفلة من الزمن خطفوا البهية وحضّروها للبيع فى سوق النخاسة.. وتنازلوا عن قرطها الجنوبى من أرض الذهب على حدود يتدفق منها ماء المحاياه على الوجه الأسمر.. فأهدوه بلا خجل لجيران الجنوب.. أما كردانها الفيروزى يزين عنقاً نزلت عليه رسالات السماء فجهزوا لبيعه للفرقاء بالجوار ببطاقات هوية كاذبة.. فى مزاد بأبخس ثمن وقعوا صكوك البيع بمداد من رماد الشهداء لتسرع قوادة العالم الوقحة فى أقصى الشّمال بصفقاتها (الشمال) بدفع (العربون).

وبين هؤلاء الخارجين من شرنقة الفقر الجالسين على كل الموائد القافزين لكل الميكروفونات، مادين أياديهم السفلى لنيل الهبات والمنح من كل منظمات العالم وأجهزة أعدائنا بدعوات تحاول التجمل وستر عوراتها تحت أسمال لا تستر قبحها بألفاظ رنانة تتشدق بحقوق الإنسان تارة والعدالة الاجتماعية تارة والممارسات الديمقراطية.. و.. و.. والمبكى من الضحك أن كل تلك الأموال التى نفذت بها حملات مشبوهة لزعزعة الوطن لم تحسن حال أى فقراء باستثنائهم هم ليفروا من صفوف المعدمين إلى منتجعات الأغنياء يمارسون طقوس التمتع بكل ما كانوا يحاربونه بالأمس القريب فى فجاجة تصل إلى حد الوقاحة.

وبين أغلبية ساحقة لا تجيد إنتاج أى شىء سوى أطفال بلا حساب لتتركهم فقراء يتكففون الناس.. اعتادت الاستهلاك المفرط فى كل شىء بدءاً من سلع نهدر 65% منها فى صفائح القمامة فى أعلى معدل إهدار فى العالم، لنجعل من أنفسنا أضحوكة الدنيا، خاصة فى شهر رمضان حيث نقلب أيام الزهد فى الطعام إلى حالة من (الفجعة) غير المسبوقة فى التاريخ البشرى، ليكون استهلاكنا فى شهر الامتناع عن الطعام ثلاثة أضعاف ما نرتكبه من إسراف باقى العام.. ووسط ذلك المشهد العبثى، حيث يغنى كل فريق على ليلاه متباكياً حاله، لاعناً الآخرين فهم سبب كل المصائب.. تسطع أمامى ذكرى ذلك الرجل الأسمر العظيم الذى قدم للبشرية كلها درساً للتاريخ عندما خرج من سجن سرق أجمل سنوات عمره بأحد تلك الاختيارات المرة التى يقسو علينا فيها أفعل التفضيل.. فكان الاختيار بين الحياة والمبدأ.. وانتصر المبدأ وضاعت أجمل سنوات العمر خلف قضبان العنصرية الكريهة.. ليكون أول درس للعالم بعد 27 عاماً بعيداً عن شمس الحرية هو العفو عن قاضيه.. وتركه يتجرع عار قراره وحيداً فى أراذل العمر مصحوباً بلعنات كل البشر.. وكانت كلماته لنا:

عليكم أن تتذكروا أن المخالفين فى النهاية مواطنون ينتمون لهذا البلد، فاحتواؤهم ومسامحتهم هما أكبر هدية للوطن، فلا يمكن جمعهم ورميهم فى البحر.. والنظر إلى المستقبل والتعامل معه بواقعية أهم بكثير من الوقوف عند تفاصيل الماضى المرير. تخيلوا لو أننا فى جنوب أفريقيا ركزنا على الانتقام من البيض واستثنائهم وتقليم أظافرهم؟ ما كانت قصة جنوب أفريقيا واحدة من أروع قصص النجاح الإنسانى اليوم.

أتمنى أن تستحضروا قول نبيكم: «اذهبوا فأنتم الطلقاء».

«نيلسون مانديلا».... وللحديث بقية.