محمد صلاح البدرى محمد صلاح البدرى وزارة الصحة.. وأزمات التعنت والغرور!
الإثنين 09-04-2018 | PM 10:02

معظم النار من مستصغر الشرر.. تلك هى الحقيقة التى يرفض البعض الاعتراف بها.. وينكرها البعض الآخر.. لكنها تظل حقيقة ثابتة نعانى منها، رغماً عن أنف الجميع!!

الأمر هذه المرة يتعلق بأزمة تم خلقها وانتشارها، بل وتعاظمها بفعل تصرفات صغيرة لم يكن من المفترض أن تحدث.. فتحوّلت إلى كرة ثلج تكبر كل يوم بلا داعٍ.

إنها تلك المدرسة الخاصة الشهيرة التى تقع فى حى الزمالك.. التى يشهد لها الجميع بالجودة والتميّز.. أعرف أكثر من صديق له أطفال بتلك المدرسة.. وجميعهم يشهدون لها بالكثير الذى يضاف إلى رصيدها ورصيد إدارتها الرشيدة.

القصة بدأت عندما فقدت تلك المدرسة إحدى تلميذاتها بعد أن أصابتها حمى غامضة.. وتم الاشتباه بأنها حالة التهاب سحائى.. فتم حجزها فى مستشفى حميات إمبابة.. قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة بسرعة تثير الريبة.. وقبل إجراء التحاليل الخاصة بذلك المرض.. لتترك وفاتها لغزاً غير قابل للحل!!

إلى هنا والأمر لا يستحق أن يتحول إلى أزمة.. فعدد الأمراض التى يمكنها التسبّب فى هذه الوفاة يفوق قدرة الأطباء على الحصر.. إنها حالة أخرى من تلك التى نكتب فى شهادة وفاتها «هبوط حاد فى الدورة الدموية أدى إلى توقف القلب والوفاة».. لكن المشكلة بدأت حين أصيب اثنان من تلاميذ المدرسة بعد الوفاة مباشرة بأعراض مشابهة.. وتم حجزهما فى المستشفى وعمل التحاليل لهم! ينبغى أن نشير هنا إلى أن إدارة المدرسة انتبهت بسرعة تستحق الإشادة.. فطلبت من وزارة الصحة أن يتم فحص المدرسة بشكل عاجل.. وتعقيمها على سبيل الاحتياط.. لكننى أعتقد أن تعامل وزارة الصحة مع تلك المناشدة هو ما أدى إلى كل ما حدث بعدها!

لقد توجّهت لجنة بالفعل من إدارة الطب الوقائى إلى المدرسة.. وأثبتت بعد سحب عينات عشوائية من مصادر المياه ومراجعة وسائل التهوية أن المدرسة آمنة.. لكن المدرسة طلبت تعقيم المدرسة ولو على حسابها الخاص.. إلا أن طلبها قوبل بالرفض من الوزارة!!!

لا أُشكك فى نتائج لجنة الوزارة.. لكننى فى الوقت نفسه لا أعرف سبباً منطقياً لرفض الطب الوقائى تعقيم المدرسة، طالما أن التكلفة ستكون على حسابها.. فضلاً عن تحفّظى على عدم تعقيمها على سبيل الاحتياط من إدارة الطب الوقائى نفسها!!

لقد تملّك الذعر من أولياء الأمور.. وتوقف الأطفال عن الذهاب إلى المدرسة.. وتفرّغت وزارة الصحة للدفاع عن قرار اللجنة فى برامج التوك شو وصفحات الجرائد عبر متحدّثها الإعلامى.. كل هذا دون أن يدرك أحد بالوزارة أن الذعر وباء أخطر بكثير من الالتهاب السحائى.. وأن التعامل مع رعب أولياء الأمور يعد إحدى أهم وظائف الإدارة.. ربما أهم من سحب العينات ومراجعة وسائل التهوية!! المشكلة تفتح الباب أمام أزمة نقص الوعى الصحى فى المجتمع المصرى.. وتؤكد ضعف الثقة فى وزارة الصحة من قِبَل الشعب كله.. كما أنها تفتح الباب أمام مناقشة فكرة الرعاية الصحية لطلبة المدارس.. التى يشوبها الكثير من القصور.. فهى تقتصر على فكرة «الزائرة الصحية»، التى لا تفعل شيئاً.. والتى لا تحمل حتى الحد الأدنى من المعلومات الطبية التى تمكنها من التعامل مع وباء فى مراحل ظهوره الأولى.

كان من الممكن بكل بساطة أن تعقد اللجنة ندوات للتوعية مع أولياء الأمور داخل المدرسة.. أو حتى تقوم بتعقيم المدرسة قتلاً للشكوك.. خصوصاً مع الغموض الذى يكتنف سبب وفاة الطفلة.. بل حتى تطعيم أطفال المدرسة بالكامل.. حتى إن كانوا على يقين من خلو المدرسة من أى إصابات!

كنت أتمنى بدلاً من تصريحات المتحدث الإعلامى بأن أقاربه فى المدرسة نفس.. أن يخرج علينا مشروع عاجل من وزارة الصحة بزيادة الوعى الصحى لطلبة المدارس.. وأن يتم دراسة كيفية عقد دورات وندوات منتظمة من قِبَل أقسام الصحة العامة بالجامعات للتعريف بالأمراض المختلفة وطرق التعامل معها!!

لقد تعاملت وزارة الصحة مع تلك الأزمة بتعنّت وغرور الطبيب الواثق من تشخيصه.. وأهملت الحالة النفسية للطلبة وذويهم.. وتجاهلت كل إجراءات التعامل مع الشائعات التى تعصف بثقة الناس فى الوزارة..!

ربما كان من الأفضل أن نواجه أنفسنا بالحقيقة المجرّدة قبل أن تواجهنا بها الظروف.. فنصلح من أنفسنا.. ونستوعب نقاط الضعف.. لنمنع تكرارها على الأقل!!

استقيموا يرحمكم الله..

تعليقات الفيس بوك

عاجل