رئيس التحرير

محمود مسلم

«القراموص» حارسة «البردى».. قرية أحيت زراعة «أوراق الفراعنة» بعد اندثارها

10:02 ص | الخميس 26 أبريل 2018
عمال داخل ورش مصنع البردى

عمال داخل ورش مصنع البردى

لسنوات طويلة ظلت «القراموص» تشبه جيرانها، تزرع ما يزرعونه ويوجد بها نشاط زراعى عادى، قمح وشعير وبرسيم وذرة وغيرها من المحاصيل، حتى جاء أحد أبنائها من الخارج ومعه شتلة نبات جديد لزراعته بالقرية، بعد غياب زراعته آلاف السنين عن القرية التابعة لمركز أبوكبير بالشرقية.. الشتلة كانت لنبات البردى، حملها الدكتور أنس مصطفى، الأستاذ بكلية الفنون الجميلة بجامعة القاهرة إلى قريته ليبدأ مشروعاً كبيراً بدأه بشتلة «بردى» غيرت نشاط القرية، لتصبح بمرور الوقت القرية الوحيدة فى العالم التى تنتج هذا النبات وتصنعه وترسم عليه الكثير من الأشكال الفرعونية لتغذى منتجاتها المناطق السياحية فى مصر والخارج، حتى تصل المساحات المزروعة فى القرية لنبات البردى إلى500 فدان هى كل المساحة الزراعية فى القرية.

أمام ماكينة تقطيع داخل غرفة ملحقة بمنزله، يجلس عادل عبدالمنعم إبراهيم، «40 عاماً»، وإلى جواره كومة من سيقان نبات البردى، بينما يأخذ هو بضعة عيدان يلصقها ببعضها البعض لتتساوى فى الطول، ثم يقوم بتقطيعها، ويضعها فى طبق كبير بجواره، لم تكن هذه أولى الخطوات التى يقوم بها الرجل الريفى لصناعة نبات البردى، فقد قضى نصف يومه فى الأرض الزراعية فى مهمة أولى بحصد النبات من الأرض وأخذ الكمية المطلوبة لحاجته الصناعية، ولم يكن هو الوحيد الذى يقوم بالأمر نفسه بل العشرات من أبناء قريته الذين ما زالوا متمسكين بزرع نبات البردى وصناعته داخل منازلهم رغم انهيار قطاع السياحة.

«الأول بجيبه من الغيط وبعد كده أقطعه كل حاجة بالمقاس والبنات هنا بيشرطوه وبعده يتنقع فى البوتاس شوية وبعد البوتاس الكلور وتبدأ مرحلة الرص بقى ويتلف عليها القماش»، يشرح «عادل» مراحل تصنيع ورق البردى الذى يصنعه هو وعائلته منذ أكثر من 40 عاماً، مشيراً إلى أن المهنة يمتهنها كثير من أبناء القرية رغم انهيار القطاع السياحى وقلة الطلب على ورق البردى وارتفاع أسعار الخامات التى تستخدم فى صناعة الورق وكذلك العمالة، موضحاً أنه يستأجر فتيات للعمل معه وزوجته ووالدته فى ورشته الملحقة بمنزله، حيث إنهم يتولون مراحل معينة فى الصناعة مثل تشريط السيقان أو رص رقاقات الورق قبل عملية «الكبس».

يستكمل «عادل» الذى تخرج عام 2005 فى المعهد العالى للدراسات النوعية بالجيزة، شرح طريقة صناعة الورق، بأنه بعد مرحلة التقطيع والتشريط تخرج رقاقات من ساق النبات مرنة وهى التى يتم غطسها فى مسحوق «البوتاس» ثم غطسها فى مادة «الكلور» حتى تأخذ اللون الأبيض ثم يأتى بعدها رص الرقاقات إلى جوار بعضها طولياً وعرضياً ثم يتم لفها بالقماش لتمتص المياه من السيقان، ثم وضع هذه الألواح من السيقان بعد رصها بين طبقتين من الكرتون لتمتص المياه من القماش، وتعرض فى الشمس حتى تجف ثم يتم كبسها بمكبس حديدى ليتم لصق السيقان ببعضها حتى تتداخل وتشكل ورق البردى، متابعاً: «عملية الكبس بتكون أربع مرات لحد أما الورق يتشكل ويتكون، وطبعاً كل حاجة بمقاسات، فيه مقاس 30 وفيه 40 و20 كل حاجة حسب المقاس المطلوب».

وعن تطور المهنة خلال العقود الماضية، أكد «عادل» أن الاختلاف ليس جوهرياً، بل كان فى الأدوات فقط المستخدمة فى الصناعة، فكان أبوه يقطع السيقان بالمناشير وليس بماكينة تقطيع وأيضاً عملية الكبس كانت تتم بمكبس خشبى فى الماضى لكن الآن المكابس أصبحت حديدية، وكل هذا يساعد فى عملية الإنتاج من حيث السرعة وحجم الإنتاج، لكن المواد الكيماوية هى نفسها المستخدمة حتى الآن، وكانت بالطبع سعرها أقل كثيراً، مشيراً إلى وجود أزمة فى إنتاج الورق بسبب غلاء الأسعار، معلقاً: «سعر البوتاس ضرب فى الضعف، من جنيه وربع لـ10 جنيه، وجركن الكلور الـ60 لتر بملاه دلوقتى بـ200 جنيه وبأجر أرض والإيجار غلى برضه وبالة الكرتون بقت بـ250 جنيه بعد ما كانت بـ50 جنيه»، لافتاً إلى أنه نوى كثيراً التوقف عن العمل فى هذه المهنة بسبب غلاء الأسعار والتوجه إلى مدينة العاشر من رمضان للعمل فى أى من المصانع المقامة هناك، إلا أنه يصر على استكمال العمل فى المهنة بمشاركة والدته وزوجته، آملاً أن تتحسن الأوضاع وتعود السياحة إلى ما كانت عليه لتسهيل عملية بيع المنتج.

وعن أسعار الورق أضاف أن الورق يباع بـ5 إلى 7 جنيهات للورقة، ولكنها تذهب إلى المحطة الثانية من العمل وهى مرحلة الرسم وطباعة الرسوم الفرعونية والآلهة والملوك والخراطيش الملكية عليها، مشيراً إلى أن العمل أصبح بناء على عدد الأوراق المطلوبة ومتوسط إنتاج اليوم يكون 100 ورقة تقريباً، موضحاً أن الورق الذى ينتج الآن ليس هو الذى كان ينتجه المصريون القدماء، وأن هناك اختلافاً فى الجودة والمتانة، حيث إن المصريين القدماء قاموا بصناعة الورق الأجود، رغم أنهم منذ آلاف السنين، وهو ما يتضح من حالة البرديات التى يتم اكتشافها الآن فى المقابر والمواقع الأثرية التى تحوى برديات أثرية، وهى عكس جودة الورق الذى ينتج حالياً، والذى يتلف بسرعة بسبب عوامل البيئة، مشيراً إلى أن الفراعنة استخدموا أدوات بدائية وكبسوا الورق بالأحجار وليس بالمكابس الحديثة، ووضعوا مواد كيمائية على سيقان النبات لم يعرفها أحد حتى الآن.

وتقول والدته سناء عبدالحميد محمد، 54 عاماً، التى تساعد نجلها فى العمل مثلما ساعدت والده فى السبعينات، إن العمل فى صناعة ورق البردى أصبح جزءاً من حياتها لا تستطيع أن تتوقف عن العمل فيه رغم مرور الصناعة بالكثير من المحن بسبب ارتفاع الأسعار وقلة الطلب على الورق، مشيرة إلى أنها تستيقظ من الصباح الباكر وتقوم بالإشراف على الفتيات اللواتى يقدمن للعمل فى ورشة نجلها وبمساعدة زوجته، وأن صناعة الورق أصبحت سمة من قريتها وجزءاً من حياتها لا يمكن الاستغناء عنه.

ويقول سعيد على طرخان، 57 عاماً، أحد مؤسسى صناعة نبات البردى، إن الصناعة بدأت تحديداً عام 1977 على يد الدكتور أنس مصطفى نجل عمته، حيث التحق الدكتور مصطفى بكلية الفنون الجميلة وسافر إلى دول أوروبية للعمل فيها وإقامة المعارض الفنية، ثم عاد إلى قريته ومعه شتلة نبات البردى التى بدأ منها زراعة النبات حتى أصبحت كل القرية تزرع هذا النبات، متابعاً: «بدأ الدكتور أنس يعلم كل أبناء القرية إزاى يزرعوا ويحولوا المنتج من منتج زراعى إلى منتج صناعى، بالإضافة إلى تعليم الطباعة والرسم والتلوين»، مضيفاً أن عملية تعليم الأهالى الرسم والتلوين تمت بمساعدة أساتذة من كلية الفنون الجميلة حتى أصبحت كل القرية تعمل فى صناعة ورسم ورق البردى وخلت من وجود عاطل واحد، بالإضافة إلى تحولها إلى عنصر جذب لأبناء القرى المجاورة.

«طرخان» يؤكد أن المحن التى تعرضت لها المهنة هى نفسها التى تعرضت لها السياحة المصرية، ما أدى إلى تشرد الكثير من الأيدى العاملة وامتهانهم مهناً أخرى، وانخفاض أعداد العاملين فى الصناعة إلى مستوى متدن وصل إلى حوالى10% بينما ذهب الـ90% الآخرون إلى مهن أخرى، وكذلك الأراضى الزراعية تقلصت تقريباً من 500 إلى 50 فداناً، مؤكداً أن القرية هى الوحيدة فى العالم التى تنتج نبات البردى، بداية من الزراعة إلى الصناعة والرسم، وأن من بقى متمسكاً بالصناعة هو من يرى فيها العشق والذوق المصرى ورائحة المصريين القدماء وحضارتهم، وهو ما يكلفهم الكثير على حسابهم الشخصى.

وعن محاولات إنقاذ الصناعة من الاندثار، يوضح «طرخان» أنه تم اللجوء إلى الصندوق الاجتماعى ومجلس اتحاد الصناعات لتطوير صناعة الورق وإدخال أشكال غير مألوفة فيها، لتكون مفكرات بدلاً من الأوراق وأشكالاً أخرى لبيعها كمنتج، إلا أن قلة النشاط السياحى تعوق عملية التطوير هذه، وأن صناعة ورق البردى نفسها تكفى لأنها صناعة يدوية من البداية للنهاية، وهى لها قيمة عند أصحاب الأذواق الرفيعة، مشيراً إلى أن الفلاحين فى القرية كانوا يعملون بأيديهم حتى فى الرسم، فتجد الفلاح يعود من «الغيط» يأخذ قسطاً من الراحة ثم يذهب إلى «الأتيليه» ليتعلم فيه الرسم والتلوين على ورق البردى، حتى تحول يومه من «الغيط» لـ«الأتيليه»، وأصبحت غالبية الشباب فى القرى تعرف الأشكال الفرعونية لما كانت حاضرة أمامهم فى الرسم والتلوين وكانوا يرسمون الإله حورس وأيضاً الملكة نفرتيتى ونفرتارى، وكل الأشكال يعرفها الشباب ويعرفون الحروف الهيروغليفية التى كانت تكتب على الخراطيش ويقرأونها ويكتبونها، مضيفاً أن الدكتور أنس مصطفى كان زميل وزير الثقافة الأسبق فاروق حسنى وتخرجا فى دفعة واحدة.

اقرأ أيضًا:

جولة فى المحافظات الشرقية.. الأصيلة

البسايسة.. مركز إشعاع الطاقة الشمسية

صان الحجر.. غابة المسلات والأسوار الأثرية

تل بسطة.. هنا القطة «باستيت» التى كانت تُسكت بكاء الأطفال بـ«الشخليلة»

منزل عبدالحليم حافظ.. قِبلة محبيه و«لو كان مهجوراً»

زراعة الورد فى «العدلية».. حالة عشق وراثية قبل التجارة

سادات قريش.. أول مسجد فى أفريقيا.. قِبلة الأهالى فى الأفراح والجنازات

«الصديقان».. آخر «صنايعية الحصير» يصارعان لبقاء المهنة

متحف «عرابى» مقلب قمامة كريه الرائحة بفعل الزمن والإهمال

أرض الخيول الأصيلة.. شعارها «حصان جامح»

سوق مواشى «ديرب نجم»: بؤرة تلوث ومرتع مخدرات ومطالب شعبية بنقله

سكان «اجتماعى العاشر»: «أملنا اتحقق بشقة فى مكان نضيف»

الأسطى أسماء: «شربت الصنعة على إيد والدى»

 

ورق البردى بعد صناعته

عرض التعليقات