المَعلِّمين
- أحمد راتب
- أخطاء الحكام
- أساتذة الجامعة
- أمناء الشرطة
- أمين الشرطة
- الانتخابات الأمريكية
- أحمد راتب
- أخطاء الحكام
- أساتذة الجامعة
- أمناء الشرطة
- أمين الشرطة
- الانتخابات الأمريكية
عفوًا لا أتحدث هنا عن المُعلِّمين، أولئك الذين نقوم لهم ونوفِّهم التبجيلَ، أي المدرسين أو من يقومون بتعليم غيرهم، بل أتحدث هنا عن المَعلِّمين (بفتح الميم أو كسرها) ورغم أن الأصل اللغوي واحد ولكن اصطلح أن المَعلّم في العاميّة هو من برع في مهنته وتمكن منها، وهناك قول مأثور هو "كل واحد معلّم في صنعته"، وهذا هو ما أقصده؛ المَعْلَمَة.
المَعْلَمة هي الدرجة التي يحاول كل شخص الوصول لها في مهنته ويدِّعي معظمنا أنه وصل إليها بالفعل.
وهذه هي الدرجة المعتادة من المَعْلمَة أن تدّعي أنك صرت معلمًا في صنعتك، لكن هناك أناس عندهم درجة متقدمة جدًا من المَعْلَمة هي (متلازمة فرط المَعْلمة المكتسب)، الاسم من ابتكاري، وهي علامة على أنني ربما أُصبت بعدوى فرْط المعلَمة من كثرة مخالطة المَعلمين.
لتعرف أعراض هذه المتلازمة؛ فقط اجلس مع أحد هؤلاء الأشخاص وافتح له المجال للكلام عن عمله، ستجده يتكلم عن انجازاته ومدى خبرته ومهارته في عمله وكيف أن باقي أبناء مهنته إما قليلي الخبرة أو معدومي الضمير ولولا وجوده لحدثت كوارث رهيبة، ويستطرد كيف أن مهنته هي محور الكون وأهم وظيفة في العالم وأنه أهم و أبرع من شغل هذه الوظيفة حتى يُهيّأ إليك أنه على وشك تسلُّم جائزة نوبل في الكيمياء أو الطب أو النجارة أو قيادة التوكتوك أو تصليح الشكمانات حسب مهنته، وتبدأ في التلفُّت حولك في انتظار وصول ملك السويد حاملًا الجائزة.
سيخبرك أمين الشرطة عن ذلك اللص البارع الذي دوّخ الضباط وأمناء الشرطة لشهور ولم يستطع أحد اكتشافه حتى استطاع هو بحنكته وخبرته بالقبض عليه وجعله يعترف بجرائمه وبنيَّته ارتكاب عمليات خطيرة أخرى كانت لتدمر السِّلْم العام في منطقة الشرق الأوسط وحوض البحر المتوسط.سيخبرك حارس العقار عن مهارته في حراسة العقار من اللصوص والهجامة والشباب الرقيع والحيوانات المفترسة والكائنات الفضائية وشياطين العالم السفلي.
وسيحكي لك الطبيب عن المريض الذي كان يعاني من آلام في البطن لمدة طويلة زار فيها العشرات من الأطباء وأساتذة الجامعة والشيوخ والعطارين دون فائدة حتى استطاع هو بخبرته وحسه الطبي العالي أن يكتشف التشخيص الصحيح ويعطيه العلاج المناسب وينقذ حياته البائسة.
وستجد التباع الذي سيشرح لك كيف أن مهنته مهمة جدًا وأنه أهم من سائق الحافلة ذاته لأن عليه أن يكون دقيقًا في اختيار مكان كل راكب حسب حجمه ومحطة نزوله وما يحمله من أغراض وأطفال بحيث تتحمل الحافلة أكبر عدد من الركاب وفي نفس الوقت يقلل وقت الوقوف لتنزيل الركاب، وعليه أيضًا أن يكون يقظًا من محاولات الهروب من دفع الأجرة أو الغش في حساب الباقي.
ستجد أمثلة لهؤلاء في كل مهنة، كلٌ يعاني من فرط المَعْلَمة في مهنته، ولكن الأدهى من ذلك أن هناك من يعانون من المعلمة في أكثر من مجال، فتجده يفتي لك فتوى دينية ثم يصف لك علاجًا للإمساك المزمن، ويكتشف سر ذلك الصوت الذي يصدره موتور سيارتك، ويشرح لك عن نوع الزلط الجيد للخرسانة وكيفية عمل البشاميل ونوع الزيت الجيد لصيانة الطبنجة الميري والموعد المناسب لري محصول البرسيم وطريقة تخصيب اليورانيوم في المنزل والإجراءات المطلوبة لاسترجاع رخصة قيادة مكوك فضائي تم سحبها في كمين زُحل.
هؤلاء هم الأشخاص الموسوعيون الذين يعرفون كل شيء ويلقون بفتواهم بكل ثقة في أي مجال.
طبعًا هناك ثلاثة مجالات مشتركة دومًا بين هؤلاء المعلمين لايخلو حديثهم من أحدهم.
الأول هو السياسة، ستجده يجلس ويضع ساقًا فوق أخرى بالوضعية التي خلدها أحمد راتب في تجسيده لشخصية أبو منَّص أو الكحيت، ويعبث في أصابع قدمه أثناء الكلام أو يحرك أصابعه في تتابع محركًا شبشبه ذا الإصبع، ثم يبدأ في إبداء رأيه في القضايا المحلية والعالمية مقترحًا الحلول للمشاكل المزمنة، ويبدأ في انتقاد الوزارت بداية من ايمحوتب مرورًا بوزارة نوبار باشا وسعد زغلول ثم الانتخابات الأمريكية ساحبًا بين الحين والآخر نفسًا من الشيشة مصدرًا صوت القرقرة المحبب الذي يضفي مصداقية على كلامه.
المجال الثاني طبعًا هو كرة القدم، وهنا المجال واسع لتحليل خطط المدربين وأساليب اللعب وتغييرات المدربين وأخطاء الحكام، ولا بأس لو غير رأيه في كل مرة فلن يلاحظ ذلك أحد؛ "هذا المدرب لا يفقه شيئًا، لابد أن يلعب بدفاع منطقة ويعتمد على الهجمات المرتدة مثلما كان يفعل الجوهري، هذه الطريقة الوحيدة التي تناسب فريقنا".
وبعد قليل في أثناء نفس المباراة " كما قلت لكم لابد أن نفتح اللعب على الجانبين ونضغط عليهم في ملعبهم، لا بد أن نهاجم مثلما كنا نفعل أيام حسن شحاتة، تمريرات عرضية كثيرة حتى نخلخل دفاع الخصم"، ثم بعدها "لا فائدة من التمريرات العرضية هذا فكر عقيم، لابد أن نعتمد على التمريرات الطولية البينية والتسديد من خارج المنطقة".
طبعًا المجال الثالث والمفضل لديهم هو العلاقات العاطفية حيث يحكي لك الشخص منهم -بصوت منخفض بالإضافة إلى الغمز بعينه بعد كل جملة تأكيدًا على كلامه- عن مغامراته العاطفية وكيف أنه لم تولد بعد الفتاة التي تستطيع الصمود أمامه، هذا إن لم تكن تعرفه جيدًا أما إن كنت تعرف تاريخه وتعرف أنه لم يعرف أي أنثى غير زوجته التي وافقت عليه فقط لأن أباها كان مدينًا له بمبلغ من المال، فسوف يعالج ذلك بأن يختتم كلامه بأن كل ذلك طبعًا كان أيام الشباب والشقاوة أما الآن فقد هدانا الله ويعود لثوب التقوى والورع والفتاوي الدينية.