مدحت القاضى مدحت القاضى دلالات زيارة «نتنياهو» لمسقط
الإثنين 05-11-2018 | PM 09:58

زيارة نتنياهو لسلطنة عمان محسوبة بدقة، بل وبدقة بالغة، وأعتقد أن هذه الدقة تميزت بها حسابات طرفى الزيارة. وهى الزيارة -المُفاجئة- التى اجتازت فيها طائرة نتنياهو خط سير يمر بالسعودية والبحرين، وعلينا أن نعى جيداً -بهذه المُناسبة- أن العلاقة بين مسقط وتل أبيب -حتى ما قبل تاريخ الزيارة- كانت لها قنواتها وإيقاعها الشديد الخصوصية، ولقد عاصرتُ بنفسى عندما كنت سفيراً فى مسقط إحدى هذه القنوات النافذة (وكانت طبعاً خارج دائرة الضوء والإعلام)، وهى المركز الإسرائيلى الذى يحمل اسم مركز الشرق الأوسط لأبحاث المياه. أما الخطوة الأخيرة المتمثلة فى الزيارة، فهى فى تقديرى جاءت ضرورية، ومُستحقة.. طالما أن المنطقة تشهد تطورات ربما تكون كفيلة بتغيير موازين القوى بها، ومن هنا يصير من المُستحق أن نتجاوز محنة التوقف عند إشكالية الاعتراف بإسرائيل من عدمه، وهى محنة ما زال البعض يفضلها لإخفاء عجزه عن التعامل والمواجهة! أما الذين يستعجلون بالحديث عن رد الفعل والتأثير الإيرانى بعيداً عن طنطنة الإعلام!، فأقول إنها بلا شك لن تكون فى نفس الوقت خارج حسابات مسقط أو محل تجاهل منها! لا سيما أن الثانية (السلطنة) كانت دوماً إحدى القنوات الناجحة للأولى (إيران) فى التواصل الفعال مع الغرب وأمريكا، بل لدرجة إنجاح وإتقان الوسيط والقناة العُمانية فى حل معظم المشكلات والأزمات التى كانت تطرأ بين واشنطن وطهران، وفى حقيقة الأمر، فإن الاهتمام المُشترك بين إسرائيل والسلطنة أقدم بكثير مما يتصوره البعض، ويجب ألا ننسى أو نتغافل عن الدور الخاص، والوجه المُستقل والحكيم للسياسة العُمانية، لدرجة التميز والاستقلالية عن القرار العربى، سواء أكان هذا القرار فى البيت الخليجى، أو الجامعة، وأنه هو الذى ظل -وسيظل- يُميز الدور العُمانى. ولعل فى تقديرى فإن تحليل الصور الخاصة بزيارة نتنياهو، مؤخراً، وأعضاء الوفد الرباعى الذى رافقه (زوجته سارة ويوسى كوهين مُدير المخابرات ومُدير عام الخارجية)، يوضح أنه ليس لقاء تعارف ولا فتح قنوات، بل لقاء بين أطراف تعى تماماً حدود وطبيعة العلاقة. وإحدى الصور المهمة الخاصة بالزيارة نشاهد فيها نتنياهو يُشير إلى نقطة مُعينة على خريطة للسلطنة، والسلطان قابوس يتجه نحوها بعصاه، وبإجابته التى لم يسمعها أحد، لأنهما كانا بمفردهما، وهو ما جعلنى أتذكر على الفور قصة مدينة «أوبر» أو «عوبر»، ونهرها القديم المُختفى، وهى الموطئ القديم الذى يُقال -والأمر محل خلاف تاريخى- إنه اشتق منه لفظ «العبرانيين»، وموقعها فى جنوب عُمان قُرباً من ظفار، والذى أعرفه تاريخياً أن «الشصر» أحد مواقع طريق اللبان، الذى هو جزء من مواقع التراث العالمى فى سلطنة عمان، تقع فى محافظة ظفار، وتسمى حالياً الشصر التابعة لولاية ثمريت، حاضرة البادية، نجد ظفار وهى فى الطرف الجنوبى من صحراء الربع الخالى، وتبعد عن مدينة صلالة 170 كلم ناحية الشمال، وقد أشارت الدلائل البحثية إلى أن الموقع داخل السلطنة كان مأهولاً بالسكان منذ العصر الحجرى، حيث كشفت أعمال الحفر والتنقيب فى موقع الشصر عن وجود مدينة أثرية قديمة، يعتقد أنها مدينة «إرم»، ذات العماد التى ذكرها الله سبحانه وتعالى فى القرآن الكريم، وهى أرض عاد، قوم هود التى لم يخلق مثلها فى البلاد، كما ذكرها النص القرآنى، وما زالت أعمال الحفر مستمرة للكشف عن هذا الموقع الأثرى المهم.. وقد تم اكتشاف هذا الموقع الأثرى عام 1990م، من قِبل مجموعة من علماء الآثار، وتم إدراجه فى منظمة التراث العالمى لأهميته، وخلال عملى سفيراً فى مسقط، كنت دائم الترحال فى أنحاء السلطنة، بل فى أرجائها الحدودية، بخلاف عشق التردد على المنطقة القديمة العريقة بالعاصمة، والمعروفة باسم «سوق مطرح»، وفى إحدى الزيارات وجدت لدى أحد الباعة المعروفين عُملات معدنية صغيرة خفيفة الوزن، تعود -حسب وصف البائع- إلى حفريات «عوبر» المدينة المفقودة، ومسقط التى استقبلت نتنياهو هى مزار أيضاًً لـ«أبومازن» ورفاقه. وأى تصريحات للتشويش أو للمزايدة على زيارة من هذا النوع، لن تؤثر بأى حال من الأحوال على حقيقة ما حدث، والذى أعتبره نقطة فاصلة، وليس نقطة تحوُّل! فى مُعادلات العلاقة العربية - الإسرائيلية. كما تجدر مُلاحظة أن السلطنة فى الوقت الذى كانت -وما زالت- تعتبر حائط صَد قوى وفعال لمقاومة ومواجهة الإرهاب، إلا أنها لم تُشارك فى فعاليات التحالف الإسلامى العسكرى لمحاربة الإرهاب (IMCTC)، وهو الذى اهتمت بإعلانه، وترأسه الرياض، وذلك بالرغم من انضمام السلطنة الشكلى على الورق، وذلك لأنه -وضمن أمور أخرى- للسلطنة دائماً رؤيتها الخاصة، وهى التى تُثبت الأيام إمكان الارتكان إليها ومدى صِدقها! وصدقيتها!

تعليقات الفيس بوك

المقالات الاكثر قراءة

عاجل