«الإمبراطورية العربية»: مصر حاضنة لجزء كبير من إفريقيا

كتب: محمد مجدى

«الإمبراطورية العربية»: مصر حاضنة لجزء كبير من إفريقيا

«الإمبراطورية العربية»: مصر حاضنة لجزء كبير من إفريقيا

أكدت «الموسوعة»، فى فصلها الخامس والثلاثين، الذى حمل عنوان «العلاقات بين مختلف المناطق فى أفريقيا»، والذى أعده الباحثان «عبدولاى باثيلى»، و«كلود مياسو»، أن الفترة بين القرن السابع، والقرن الحادى عشر الميلادى، تعتبر مرحلة خاصة فى تاريخ قارة أفريقيا، مؤكدة بقدر من الاطمئنان أن توسع الإمبراطورية العربية كان أحد العناصر الرئيسية فى هذا التطور.

وأضافت: «وبناء على الدراسة التى أجريناها فيما تقدم للعلاقات التجارية، ولانتشار التقنيات والأفكار، يمكننا إبداء ملاحظتين أساسيتين قد تفيدان فى تحديد سمات الحركة التاريخية للمجتمعات الأفريقية فى تلك الفترة».

وتابعت: «أولى هاتين الملاحظتين هى أن الاقتصاد الأفريقى ظل فى مجموعه مكتفياً ذاتياً، تخضع معايير الإنتاج فى إطاره لمعايير الاستهلاك، ولم يكن تبادل السلع يجرى على أساس قيمتها التبادلية فى حد ذاتها، بل على أساس قيمتها فى الاستعمال».

وواصلت: «كانت الصلات الاقتصادية بين المناطق المختلفة قائمة على التكامل بينها فيما تنتجه كل منها، وكانت تلك المنتجات تخضع آنذاك أكثر مما تخضع فى الوقت الراهن للظروف الطبيعية، بسبب انخفاض مستوى القوى الإنتاجية، إلا أنه يتبين من مقارنة التشكيلات الاجتماعية المختلفة أن تطورها لم يكن متكافئاً».

وأردفت: «ومما يوضح بشكل ملموس هذا التطور غير المتكافئ أن بعض المجتمعات بلغت مرحلة متقدمة للغاية من التمايز الاجتماعى، وأصبحت لديها بنية اقتصادية مركبة للغاية تميل إلى إنشاء اقتصاد سوقى المغرب والسودان، بينما ظلت مجتمعات أخرى فى مرحلة جمع القوت أو الصيد فى جماعات، ومن هنا تنشأ الصعوبة أمام المؤرخ فى تحديد طريقة إنتاج يمكن اعتبارها مميزة لأفريقيا فى مجموعها».

واختتمت الموسوعة الفصل، قائلة: «الملاحظة الأساسية الثانية يمكن التوصل إليها من خلال تحليل التشكيلات الاجتماعية، هى أن أفريقيا كانت خلال الفترة من القرن السابع الميلادى حتى القرن الحادى عشر الميلادى قادرة على تلبية معظم احتياجاتها من السلع الأساسية، والترفيه، وذلك بفضل التقدم الذى أحرز فى تحقيق التكامل الاقتصادى بين اقتصاداتها، أما فى سياق الاقتصاد العالمى فى تلك الفترة كان يتألف من نظامى البحر الأبيض المتوسط والمحيط الهندي؛ فكانت أفريقيا تحتل مركزاً مهيمناً بفضل صادراتها من الذهب بصفة خاصة». وعن «مصر فى العالم الإسلامى»، أفردت الموسوعة فصلاً للباحث جان كلود غارسان، والذى أكد أن مصر فى تلك الفترة والتى تمتد بين نهاية القرن الثانى عشر وبداية القرن السادس عشر، تبدو لـ«الناظر بسطحية»، وكأنها أقل فترات التاريخ المصرى اتساماً بـ«الطابع الأفريقى»، حيث إن مصر صارت قوة أساسية لإمبراطورية أيوبية، ثم إمبراطورية مملوكية امتدت حتى الفرات، وممرات جبال طوروس فى هضبة الأناضول، والتى كان مسرح عملياتها الرئيسية خارجاً عن نطاق أفريقيا، لكن مصر لم تنفصل بنفس القدر عن باقى القارة الأفريقية حتى عندما كانت تعد إقليماً يدخل ضمن مجموعة أموية أو عباسية أو عثمانية، لكن هذه الفترة التى تأكد خلالها ثقل القوة المصرية فى منطقة الشرق الأوسط. وأشار «كلود»، فى «الموسوعة»، إلى أن تلك الفترة ساقت خلالها الدروب الصحراوية إلى القاهرة أمراء «كانم»، و«مالى»، و«صونغى»، فى طريقهم إلى الأماكن الإسلامية المقدسة فى الحجار، فى حين سلكها التجار المصريون متجهين إلى داخل أفريقيا.

{long_qoute_1}

وتابع: «ومن المؤكد أن هذه القرون من تاريخ مصر أثرت على تطور جزء كبير من أفريقيا، هو ذلك الجزء الذى تأثر بالإسلام».

وواصل: «وفى مصر الأيوبية والمملوكية، اكتمل شكل الإسلام السنى الذى استمد منه أغلب مسلمى أفريقيا مبادئ السلوك، وأطر التفكير بدرجات متفاوتة، ولم يكن ذلك المركز العريق للإسلام، وهو المغرب أقل من ذلك تأثراً بهذا التاريخ؛ فزوال الخلاقة الشيعية عن وادى النيل، قرب نوعاً ما بين المغرب والمشرق الإسلامى، باعتباره الملاذ التقليدى للثقافة والدين، وأسهم فى الدور التوحيدى الذى ظهر به الإسلام فى أفريقيا.

واختتمت الموسوعة هذا الفصل، قائلة: «عندما امتدت سيطرة العثمانيين إلى مصر عام 1517، انهارت سلطة سياسية بأكملها كانت ملكاً لطبقة سياسية محدودة لا تتجدد على نحو كافٍ، وفقدت أسباب وجودها، والشرعية التى كان يضفيها عليها دفاعها الفعّال عن الإسلام، وأقيم حاكم عثمانى فى القاهرة، وتأكدت سلطة أمير بدوى فى جرجا، وأضفى على الفارق بين مصر الساحلية ومصر الداخلية، وهو الفارق الذى استمر طابعاً رسمياً، لكن الأبنية الاجتماعية لم تتغير فى شىء، وظلت باقية مدة طويلة، وهكذا استمر المجتمع المملوكى بعد زوال دولته كأثر لمشروع سياسى وثقافى كان له مبرر وجوده، واحتل مكاناً مرموقاً فى تاريخ الإسلام وأفريقيا. وتناولت «الموسوعة» فى فصل آخر «إشعاع الحضارة المغربية»، و«تأثيرها على الحضارة الغربية».


مواضيع متعلقة