صحافة ينخرها «السوس»

أحمد خضر

أحمد خضر

كاتب صحفي

قبل نحو عقد من الزمان كان ميدان التحرير لم يشهد ثورة بعد، وفي التاسعة مساءً، كان تجمعاً صغيراً أمام بائع الصحف الأشهر يقف منتظراً إصدار الطبعة الأولى، جميعنا صحفيون يترقبون قدوم سيارة التوزيع المحمَّلة بصحف اليوم الجديد، وما أن تصل حتى نتسابق ليحصل كل منّا على نسخته من كل صحيفة، نذهب بعدها إلى أحد المقاهي في وسط البلد، لنقارن بين مانشيتات الصحف «كيف تناولت كل صحيفة الحدث الرئيسي؟ ولماذا تجاهلته صحيفه أخرى؟.. ودلالة الصور ولون الخط.. وغيرها من المقارنات؟».

«مهنة المتاعب، صاحبة الجلالة، السلطة الرابعة»، ثلاثة أوصاف لها دلالات فهمنا كل منها، وآمنّا بها، وقدسّناها، فكان من الطبيعي أن تنام أسبوعاً كاملاً في الدويقة لمتابعة انهيار صخرة على عشرات المنازل، أو تتنكر لتتمكن من دخول مكان ما، أو تعافر من أجل الحصول على معلومة، و«تعصر» المصدر لاستخلاص كل ما لديه من تفاصيل، وتواجه المسؤول بما لديك وتعامله بنديّة مراقب، وكأن الشعب قد فوّضك لإخباره الحقيقة. نعم كانت تلك الروح التي نعمل بها، نحترم أنفسنا ومهنتنا فيحترمنا المصدر قبل القارئ.

والآن -وقد تشعرك الآن بقبضة في صدرك أو لكمة على وجهك من هول ما يحدث- ورغم أن هناك الكثيرين من الزملاء قابضين على جمر المهنة، متحملين، مدركين أهميّة التطور الحاصل والذي سبقنا إليه كثيرون، إلا أن هناك من يسيئون للمهنة تحت مظلة من الادعاءات والمزاعم، التي تُذهِب عقولهم فيُهيأ لهم أنهم صحفيون، في حين أنهم تحولوا لـ«سوس» ينخر عظام المهنة.

كل مَن يفتخر كونه صحفي، يخجل وتنفر عروقه، ويغضب عندما يجد خبراً منشوراً في موقع رسمي مسبوقاً بكلمة بذيئة من ثلاثة أحرف.. ثلاثة أحرف قادرة على تشويه تاريخ بأكمله.. أجيال بقاماتها، فما حدث يستوجب المحاسبة والاعتذار لأنه يسيء إلى مهنة لها قدسيتها ويأخذ «العاطل بالباطل» فيترك انطباعاً لدى القارئ يستوجب خططاً طويلة المدى لتغييره.

نحن هنا نتحدث عن موقع إلكتروني يتبع مؤسسة كبيرة وليست صفحة على «فيسبوك» مجهولة المصدر أو موقع «بير سلم» فماذا حدث؟.. وماذا يحدث داخل أروقة تلك المؤسسات العريقة؟! هل هو نتاج جهل أم عمد؟ عن نفسي أميل إلى الأولى فلست من أنصار الثانية.

الجهل يلاحق المتباطئين فاحذروا؛ والمواقع الإلكترونية كاشفة لمن توقف قلمه وعقله بين أوراق «الدشت»، وبيان «السيد المصدر وسيادته»؛ ولم يمر إلى المستقبل متسلحاً بكل ما أوتي من علم ومعرفة بصحافة الفيديو، والإنفوجراف، والكروس ميديا، والمقالات المباشرة على «فيسبوك» (instant articles)، وتحليل البيانات والزيارات والأرقام وفهم خصائص الجمهور وملاحقة «التريند» بمهنيّة وحرفيّة وزوايا تميّز وتفرّد.

وصدقني، أن تذهب كل صباح إلى مقر الجريدة حاملاً تحت إبطك حقيبة سوداء منتفخة ببيانات المصادر والفاكسات ورسائل بريد القراء لتكتب لمستخدم يرى العالم «لايف» من هاتفه، ولا يراك، فأنت فقدت صوابك وعقلك؛ لأن ما يحتاجه المستخدم لن يجده هناك حيث تكتظ المؤسسات بآلاف من الحقائب والأوراق، ولن يصدقك أحدهم وأنت تعرض له غلافا تفوح منه رائحة الشذوذ بعبث هاوٍ مبتدئ لا يتقن صنعته وخلفه فراغ يمتد من أسفل «الترويسة» إلى أعلاها؛ فراغ لن يملأه إلا خطة ورؤية وتغيير لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.