واكد وأبوالنجا.. وشاهين بك
- الاستقواء بالخارج
- البحر المتوسط
- الحكومة البريطانية
- الخارجية الفرنسية
- السلطان العثمانى
- الفرق بين
- الكونجرس الأمريكى
- الوجه القبلى
- ام المصريين
- ثورة شعبية
- الاستقواء بالخارج
- البحر المتوسط
- الحكومة البريطانية
- الخارجية الفرنسية
- السلطان العثمانى
- الفرق بين
- الكونجرس الأمريكى
- الوجه القبلى
- ام المصريين
- ثورة شعبية
دائماً ما يبوح التاريخ بحكايات تثبت أنه يعيد نفسه، أو على الأصح أن البشر يعيدون نفس الأخطاء، خاصة هؤلاء الذين يجهلون التاريخ.. بل والشرف. تذكرت هذه الحقيقة عندما قرأت عن لجوء «عمرو واكد» و«خالد أبوالنجا» إلى الكونجرس الأمريكى بغرض تقديم شكوى ضد مصر وإدارتها إلى الأمريكان فى تصرف صريح بالاستقواء بالخارج ضد الوطن. وبعيداً عن حقارة الفعل إلا أنه فعل جاهل لا يعرف أصحابه شيئاً عمن سبقوهم فى هذا التصرف الخائن الذى لا أتصور توقعهم هم أنفسهم نتيجته.. هل مثلاً يتوقعون أن تشن أمريكا الحرب على مصر بسبب «عمرو وأبوالنجا» الناشطين التائهين فى غيبوبة السياسة، حتى باتا لا يفرقان بين السياسة والخيانة.. وهل لو شنت أمريكا الحرب علينا إرضاء لهذين الزعيمين المفوهين، أو على الأقل منعت عنا المعونة الملعونة، سيكون لهما شأن آخر فى مصر وقيمة واحترام بين شعبها وناسها؟!
هل ينتظران المكافأة، أم يفعلان هذا من أجل الله والوطن؟ الحقيقة تصرف غريب ومشين وفاشل، وكان أشرف لهما أن يعلنا اعتراضهما بأى وسيلة هنا فى مصر، حتى لو أودت بهما إلى المحاكم.. وتذكرت المماليك فوراً بعد علمى بهذه السقطة، فقد كانوا أساتذة الخيانة والاستقواء بأى قوة خارج البلاد من أجل مصلحتهم الخاصة، وكان أولهم وأشهرهم «الألفى بك» الذى كان على علاقة وطيدة بالإنجليز، ومكث ببلادهم عدة سنوات، وبعد عودته بعام تقريباً تولى محمد على حكم مصر بثورة شعبية طاغية، فكاد الألفى أن يُجن، وأرسل مملوكه المخلص «أمين بك» إلى بلاد الإنجليز مرة أخرى يطلب منهم أن يأتوا بأسطولهم ليدكوا ثغور مصر ويستولوا عليها فى مقابل أن يزيحوا محمد على ويضعوا الألفى على عرش مصر.. وانتظر الألفى مجىء الإنجليز، واستوطن البحيرة هو وجنوده ليكون قريباً من الإسكندرية، وطال الانتظار حتى سئم جنوده وأوشكوا على التمرد.. واضطر للرحيل عائداً إلى الجيزة وهو يردد أن الإنجليز مقبلون لا محالة، وتدخّل القدر ومات الألفى وهو يوصى مماليكه وأميرهم «شاهين بك» بأن ينتظروا الإنجليز لينقذوا مصر من محمد على، وجاء الإنجليز بالفعل بقيادة «فريزر» فى 1807، بعد أربعين يوماً فقط من وفاة الألفى بك، وتخاذل شاهين بك عن مساعدتهم خوفاً من اتهام المصريين له بالخيانة، وانتصر المصريون فى رشيد ببسالة أهل رشيد وحاكمها وجنود محمد على.. وخرج الإنجليز مهزومين يحملون جرحاهم.. وحاول محمد على بعد ذلك عدة محاولات لاحتواء المماليك حتى يأمن شرهم وخيانتهم، ولكنه عرف بعد ذلك من قنصل فرنسا أن كثيراً من المراسلات تحدث بين شاهين بك والإنجليز، وأهمها رسالة شاهين بك إلى قائد الأسطول البريطانى فى البحر المتوسط، وكانت فى شهر أغسطس لعام 1809، وهذه الرسالة مودعة فى محفوظات وزارة الخارجية الفرنسية بباريس، وقد أوردها مسيو «دريو» بنصها فى كتابه «محمد على ونابليون».. قال شاهين بك: «إنه من الطبيعى أن يسعى كل امرئ لاسترداد أملاك انتُزعت منه، وسعادتكم لا تجهلون أن المماليك كانوا يحكمون مصر منذ زمن طويل، وبناء عليه فإنى بوصفى الوارث الشرعى للمماليك أعتقد أن لى الحق كل الحق فى أن أصبو إلى حكم البلاد، ولكن بما أننى لا أستطيع أن أنتزع الحكم فى الوقت الحاضر من يد القابض عليه الآن والمحافظة على هذا الحكم بدون حماية بريطانيا العظمى، فإنى أطلب حمايتها ومساعدتها بالشروط التى تريد الحكومة البريطانية أن تمليها علىّ، وإذا أرادت بريطانيا العظمى أن تأتى مرة أخرى بهذه الجهة بأسطولها وجنودها ففى استطاعة سعادتكم أن تتأكدوا من أننى سوف أسرع لمساعدتها مع رجالى وعرب القبائل، فنجتمع تحت إمرة القائد البريطانى ونبذل دمنا عن طيب خاطر فى سبيل مجد الأمة البريطانية، وأؤكد أننى مستعد لأن أخضع خضوعاً تاماً بكل قواى لمشيئة الحكومة البريطانية، حتى لو كلفنى هذا السعى حياتى». انتهت الرسالة، وهى درس نموذجى فى الخيانة.. ويبدو أن محمد على قد عرف وظل يراقب وينتظر حتى جاء شهر فبراير 1811 وسافر محمد على إلى السويس ليتفقد أعمال تحضير الأسطول لحملة الحجاز التى أخذ السلطان العثمانى يلح فى تجهيزها منذ عام 1806.. ولكن تحرك محمد على فجأة إلى القاهرة قبل ميعاد رجوعه وقبل انتهاء المهمة.. فقد ضُبطت رسائل مريبة بين بكوات الوجه القبلى وزملائهم فى القاهرة تشير إلى محاولة اغتيال لمحمد على فى طريق عودته من السويس إلى القاهرة.. هنا وجد محمد على أنه لا فائدة، وأن المسألة أصبحت بالنسبة له مسألة حياة أو موت.. وكانت المقتلة الشهيرة بمذبحة القلعة، أول مارس 1811، وذهب عصر المماليك الخونة وطواه التاريخ إلى حيث يستحق، وعاشت سيرة محمد على الذى تسلَّم حكم دولة ممزقة فقيرة بدائية تتنازعها فرق من العساكر المرتزقة، وتركها دولة كبرى حديثة لها جيش وأسطول من أبنائها، واستحق لقب «مؤسس مصر الحديثة» بكل جدارة.. وهذا هو الفرق بين من يعمل من أجل الوطن، ومن يطلب حماية الأجانب ووصايتهم على وطنه، لذلك سيظل «عمرو» و«أبوالنجا» طريدين.. تائهين بعيداً عن وطن لا يسامح فى الخيانة أبداً.