تجار «النكبة»

فى إحدى صلوات الجمعة بالإسكندرية ارتدى حسن البنا زى الجوالة واصطف وسط مجموعة من جوالة الأداهم الإخوان فى استقبال الملك فاروق وهو يؤدى صلاة الجمعة، ونال «البنا» -كما يحكى محمود عبدالحليم فى «أحداث صنعت التاريخ»- شرف السلام على مولانا!. لم يكن شيخ الطريقة الأدهمية الجديدة يجد مندوحة فى التعامل مع السلطة، التى يريد أن يجلس مكانها، تعاملاً تكتيكياً، لتحقيق أهداف مشتركة. على سبيل المثال تحالف «البنا» مع العديد من الحكومات الديكتاتورية التى حكمت مصر، مثل حكومات إسماعيل صدقى ومحمد محمود ومحمود فهمى النقراشى، بهدف ضرب حزب الوفد. ولـ«النقراشى» قصة فريدة مع «أداهم الإخوان» حين حلَّ جماعتهم فقتلوه ودفع مرشدهم حياته ثمناً للجريمة.

العديد من القوى السياسية فى مصر عاشت نوعاً من الخصومة مع النقراشى باشا بسبب ديكتاتوريته وولائه الخفى للمستعمر الإنجليزى. الفريق الوحيد الذى امتاز بصداقة وطيدة مع «النقراشى» هو «أداهم الإخوان»، فقد أيدوه ودافعوا عنه وباركوا خطواته. يشهد على ذلك أنه حينما أبرق النحاس باشا إلى الأمم المتحدة أن «النقراشى» لا يمثل مصر بل يمثل نفسه وهو يتحدث عن أمر استقلالها، بادر الإخوان إلى الهجوم على «النحاس»، وأبرق حسن البنا إلى الهيئة الدولية مؤكداً أن ما يقوله «النقراشى» هو رأى مصر وقول مصر. كان «البنا» سعيداً بـ«النقراشى» حين أفسح لجماعته الطريق للتدريب العلنى على حمل السلاح وحيازة الذخيرة تمهيداً للمشاركة فى تأديب العصابات الصهيونية عام 1948، فى وقت لم تكن تلقى القوات المصرية الزاحفة إلى فلسطين الدعم المطلوب للقيام بدورها.

انتهت حرب 48 بهزيمة ونكبة عربية سقطت فيها فلسطين فى أيدى العصابات الصهيونية. وعاد الجميع يتاجر بالهزيمة دون خشية أو حياء. على رأس المتاجرين بها الإخوان الذين سنوا سنة سيئة فى حياة الأداهم المصريين مدارها «الدعاية بالهزيمة». سكب الإخوان فى كتاباتهم ومؤرخاتهم الكثير من الرسائل الدعائية التى تحكى بطولاتهم وبلاءهم الحسن فى مدافعة الاحتلال الصهيونى، متناسين أن الأرض قد ضاعت والهزيمة قد حلت ودكت رؤوس الجميع. عاد الإخوان شاهرين ألسنتهم بالطبع فى وجه «النقراشى» وحكومته التى استصدرت قراراً من البرلمان بخوض حرب لم تكن مصر مستعدة لها، أرادوا أن يحمّلوا السلطة التى كانوا يتغنون بها وبتمثيلها للبلاد وأداهم العباد بالأمس، أما هم فقد قاموا بالواجب وأكثر!. ورداً على هذه الحملة اتخذ «النقراشى» قراراً بحل الجماعة والقبض على العديد من كوادرها. ثار «أداهم الإخوان» وهاجوا وماجوا وزعموا أن «النقراشى» يحاصرهم بإيعاز من الصهاينة وخدمة لدولتهم الوليدة، ونسوا من جديد أنهم عادوا والقوات العربية المحاربة بالهزيمة. فى هذه اللحظة قرر حسن البنا استخدام «النبوت» فى مواجهة السلطة فتحرك النظام الخاص بقيادة «السندى» وقام بقتل النقراشى باشا، رئيس الحكومة.

الصورة التى رسمها «البنا» لنفسه صورة غير واقعية بالمرة، فقد ظن أن بمقدوره اللعب بالسلطة، سواء كانت سلطة الملك أو الأحزاب، وأن فى مكنته وقت أن تضغط عليه أن يحرك نبوته «السندى» فى مواجهتها ليرهبها ويردعها. وكأنى بخصومه يضحكون عليه وهم يلعبون به من حيث صوّر له غروره أنه يلعب بهم. فقد استخدموه فى ضرب شعبية الوفد والدفاع عن الحكومات الديكتاتورية ودعم ساكن قصر عابدين، وبعد أن استهلك دوره وأصبح كارتاً محروقاً تخلصوا منه.