د. محمود خليل د. محمود خليل أدهمية «العلم والإيمان»
10:02 م | الجمعة 04 أكتوبر 2019

فى دستور 1971، قرر «السادات» استعادة اسم «مصر» فأطلق على الدولة «جمهورية مصر العربية»، وشطب على المسمى الناصرى السابق: «الجمهورية العربية المتحدة». أصبح الأمر مثار تندر لدى بعض النخب الأدهمية التى أخذت تتحدث عن الدولة التى تغير اسمها ونشيدها وعلمها 3 مرات على مدار فترة زمنية لا تزيد على 25 عاماً، لكن بسطاء الأداهم لم يشغلهم هذا الأمر من قريب أو بعيد. كانت ثمة أشياء أخرى أهم تشغلهم، تتصدرها الخدمات المتردية. فالكهرباء تنقطع بشكل مستمر، والمياه لا تصل إلى الأدوار العليا، وشوارع القاهرة والمحافظات غارقة بمياه الصرف الصحى، وطوابير الجمعيات ليس لها أول ولا آخر بسبب شح السلع. لم ينشغل بسطاء «الأداهم» بالأحاديث التى يردّدها أنصار الراحل عبدالناصر من الشباب من أن الرئيس الجديد ينقلب على الدولة الناصرية، وأنه يدشن لثورة مضادة لثورة 23 يوليو. ما أهم البسطاء هو ما يهم نظرائهم فى كل الدنيا «معيشة أكثر استقامة وقبولاً».

بطبيعته، كان «السادات» ميالاً إلى الحلول الاختزالية التى تعتمد على إطلاق عبارات كبرى فى تفسير المشكلات المعقّدة، دون حديث عن التفاصيل. مثل عبارة «نسينا الله» فى تفسير نكسة يونيو 1967. استعار الرئيس عبارة «الدولة العصرية» التى تفتّقت عنها قريحة الكاتب الكبير أحمد بهاء الدين فى تفسير النكسة، فأشار إلى العلم وأهميته فى حل كل المشكلات التى تعانى منها «الأدهمية»، وقرر ألا يكتفى بطرق بوابة الدين، وأطلق على دولته الجديدة «دولة العلم والإيمان». وكما حمل وصف الرئيس المؤمن تعريضاً بـ«عبدالناصر»، حمل وصف «دولة العلم» تعريضاً بالدولة الناصرية. واستكمالاً للدائرة بدأ الحديث عن ضرورة الاعتماد على أصحاب الكفاءات العلمية والابتعاد عن أهل الثقة (كشعار بالطبع). وفضاً لأى اشتباك يمكن أن يقع داخل العقل الأدهمى بين طرفى ثنائية «الدين والعلم» أفسح التليفزيون المجال أمام الدكتور مصطفى محمود، لتقديم برنامج تحت عنوان «العلم والإيمان»، اجتهد من خلاله فى بحث وتحليل الظواهر الإنسانية والطبيعية من منظورى العلم والدين والتأكيد باستمرار على عدم وجود تناقض بينهما.

نجح «السادات» فى إقناع قطاع من كبار السن عبر عموميات «العلم والدين»، خصوصاً هذا القطاع الذى تحفّظ على عصر «عبدالناصر» والتحولات التى شهدها، لكن الأمر اختلف بالنسبة للشباب الذى كان موزعاً بين أكثر من اتجاه. فأبناء التيار الإسلامى نظروا إلى الخطاب الجديد الذى طرحه «السادات» بالترحيب المشفوع بالحذر، وعلى النقيض بدا قطاع لا بأس به من الشباب رافضاً لـ«السادات» وأفكاره حول المجتمع الجديد، كانت الفئة الأخيرة على ولاء كامل للناصرية وأفكارها ووجدت فيما يطرحه «السادات» ردة عنها، وامتازت بقدرتها على الحراك والتحريك. وقد انتهزت فرصة تلكؤ الرئيس السادات عن اتخاذ قرار الحرب وتحرير الأرض المحتلة بعد أن وعد بأن يكون عام 1971 عام الحسم، فانتفضوا ثائرين ضد السلطة عام 1972 واندلعت مظاهرات تحولت إلى اعتصامات بجامعتى القاهرة وعين شمس فى يناير من هذا العام، وتحولت المظاهرات الطلابية إلى ميدان التحرير خلال إجازة منتصف العام، واعتصموا حول الكعكة الحجرية حتى تدخّلت قوات الأمن المركزى ففضّت الجمع. وقد ألهم هذا الحدث المبدع الراحل أمل دنقل قصيدته الشهيرة «أغنية الكعكة الحجرية».

تعليقات الفيس بوك

المقالات الاكثر قراءة

عاجل