من أجل مصر.. وليس من أجل السادات
إن أخطر ما يمكن أن ترتكبه المجتمعات في حق تاريخها هو تصفية القضايا الكبرى إلى هوامش وتفاصيل، ثم الاختلاف على هذه الهوامش والتفاصيل في شكل مجموعات من "الأولتراس" بين مع وضد، بين محبين وكارهين، بين من يقدسون الأسماء ومن يحاولون شيطنتها.
نصر أكتوبر المجيد قضية كبرى محل إجلال وتقدير واعتزاز في نفوس المصريين، ربما لا يكون من الجيد الخروج عن القضية الكبرى للحديث عن أحد الأسماء، لكن الاسم هنا متعلق بصميم القضية، الاعتزاز به اعتزازاً بها، والتشكيك فيه تشكيكاً فيها!
في 1970 جاء الراحل محمد أنور السادات رئيساً لمصر. لا يمكن الحكم على مرحلة بعيداً عن سياقها، السياق في هذه اللحظة هو هزيمة مريرة ومؤلمة قبل ثلاث سنوات فقط لا تزال تلقى بظلالها البائسة على المجتمع كله، مؤسسات تعاني قدراً كبيراً من الترهل والتفكك وعدم الثقة، اقتصاد منهك كتبه الفصل الأخير من مرحلة لها الكثير وعليها الكثير، فضلاً عن رأي عام إقليمي ودولي تحكمه المصالح ويعرف جيداً أن مصالحه لن تكون مع الطرف الأضعف، حتى لو كان بعضه متعاطفاً مع هذا الطرف.
هذا السياق لا يمكن أن يقود إلى حرب، وإذا قاد لحرب لا يمكن أن يقود إلى نصر، خاصة إذا كان العدو أكثر تسليحاً واستعداداً وجاهزية.
الحق شيء والقدرة على انتزاعه شيء آخر.. أمنيات الشعوب شيء وقدرتها على تحقيق الانتصار شيء آخر. كان السادات يفهم ذلك جيداً، الأمر الذي دفعه إلى أن الاحتكام للعقل وليس الاحتكام للعاطفة، فعمل على ترتيب البيت من داخله أولاً، ثم رفع مستوى جاهزية الجيش وقدراته ثانياً، ثم رسم أفضل خطة خداع استراتيجي عرفها العالم كله في الحروب الحديثة والتي اعتمدت على فكرة غاية في بساطتها وغاية في عظمتها، وهي: أننا لن نحارب مطلقاً.
الجميع "بلع الطعم" بداية من تل أبيب وصولاً إلى القاهرة، ومروراً بكل عواصم العالم، حتى استيقظت كل الأطراف على "مفاجأة" الساعة الثانية من ظهر السادس من أكتوبر 1973.
وقعت الحرب، ووقع النصر، وهو انتصار كامل وقاطع وواضح وضوح الشمس لا تشوبه شائبة ولا تنتقص منه ادعاءات إسرائيل المضحكة التي تحاول بها تضليل شعبها في المقام الأول قبل تضليل الشعوب الأخرى، وحفظ قليل من ماء الوجه بعد هزيمة قاسية اعترف بها قادة إسرائيل أنفسهم في محاضر مجلس الوزراء الرسمية أثناء الحرب، ومحاضر لجنة أجارونت التي تشكلت بعد الحرب للتحقيق مع مائتين من العسكريين والسياسين الإسرائيليين الذين ذاقوا مرارة الألم والانكسار.
لا أقول إن حرب أكتوبر هي حرب السادات، ولا أقول إن مجد أكتوبر هو مجد شخصي للسادات، هي حرب المصريين كلهم، ومجد المصريين كلهم، لكن ليس من العدل ولا الإنصاف ولا الموضوعية أن نهيل التراب على من خطط وقاد وأدار.
ليس من العدل ولا الإنصاف ولا الموضوعية أن نحول الخلاف معه في سياسة سنوات ما بعد الحرب، إلى خلاف عليه في واحدة من أعظم المحطات العظيمة في تاريخنا القديم والحديث كله، إن لم تكن الأعظم على الإطلاق.
أقول ذلك لأنه أساء لي أن أقرأ "تخاريف" على مواقع التواصل الاجتماعي، واسمع بعضها في مناقشة هنا أو هناك.. "تخاريف" لا تقوم على أي أساس من الحقيقة، وتبتعد عن حق الاختلاف مع الرجل في سياساته الاقتصادية والاجتماعية في النصف الثاني من حكمه، وهو حق لنا بل واجب علينا، لتحاول أن تشكك في دوره وتشكك في وطنيته وتقتله مرة ثانية وهو في قبره، بعد أن قتله الإرهابيون الفجرة في يوم احتفاله بالنصر المجيد.
حفظ الله جيشنا ورحم الله من حارب وانتصر.