«الوطن» فى بيت "خيري شلبي".. هنا "وحى الإبداع"

كتب: حازم دياب:

«الوطن» فى بيت "خيري شلبي".. هنا "وحى الإبداع"

«الوطن» فى بيت "خيري شلبي".. هنا "وحى الإبداع"

يصدح الفجر بآذانه، تنقشع سحب الليل الكثيفة، ومعها تتحرك من غرفتها، لتتوضأ وتصلى الفجر، تضىء حجرة مكتبه، تجلس على كرسيه الجلدى، تطالع رسمة غلاف كتاب خطه حفيده، وأصر على الاحتفاظ بها، ليصطبح بها فى نهاراته، وفى كل جلسة كتابة تكون أمامه. تنظر إلى آخر مقال كتبه بخط اليد، محفوظ كما هو، لم يتبدل موضعه. تزيل الغبار المتراكم على صف طويل من الكتب، كان قد بدأه ولم يتمه بعد.. فى كل كتاب فاصل، يشير إلى الموضع الذى توقف عنده. تبدأ فى قراءة آيات من القرآن على روحه. تنظر إلى صورته المعلقة على الحائط، تلثمها، ثم تمسك بالسلسلة التى تزين عنقها بصورته وتقبلها، ليختلط التقبيل بملوحة الدموع اليومية، الهابطة على أثير إذاعة القرآن الكريم، التى لا ينقطع ذكرها عن المنزل.. منزل الأديب خيرى شلبى، وأرملته التى تتواجد به عقب رحيله، منذ عام كامل، حيث تقوم بنفس الطقوس.[Quote_1] يواسيها مريدو الأديب ومحبوه قائلين إن أدب الرجل وشخصياته ستظل محفورة فى الأذهان مهما تقدم العمر وطال، وأن عاماً كاملاً قد مضى، دون أن يقوم الزمان بفعلته، ويدخل مثل كثيرين طى النسيان. يذكرونها بالمقولة الشهيرة «اللى ألّف مامتش». تطفر عينيها بالعبرات، ويتهدج صوتها، ليخرج فى نبرة مختنقة قائلةً: «بس بالنسبة لى أنا مات، الناس مشفتش غير أدبه، بس أنا شفت معاه عمر كامل». هنا بيت خيرى شلبى، بيت خرج من رحمه آلاف الكلمات، ومئات المقالات، وعشرات الكتب. هنا أمسك الرجل بقلمه، ولم يجف الحبر. وحين جف، فارق الحياة. أمام المكتب يضع صورة كبيرة لنجيب محفوظ، مكتوباً عليها مقولة أديب نوبل: «انتصارنا على الإرهاب ليس انتصاراً للحرية والديمقراطية ولكنه انتصاراً للإسلام». ومن أسفل منها صورة ليحيى حقى الذى يراه أستاذه الحقيقى مع توفيق الحكيم ويوسف إدريس، الذى لم يغفل تعليق صورهم فى الصالة، وكأن الونس والدفء ينبعثان من الصور. المكتب مساحته ضيقة، موضوع عليه «كاسيت صغير»، كان يحب أن يسمع عليه الشيخ إمام وفيروز وعبدالوهاب أثناء الكتابة، يضع على يمينه صوراً كثيرة لأحفاده وصلاح جاهين، وإحدى رباعياته. يأخذ المكتب جزءاً من الصالة، تلك الصالة التى فى صدرها مكتبة هائلة، بين طياتها بحر من الكتب، السابح فيه يغرق من فرط العناوين المتنوعة بين الأدب والسياسة والفنون والدين. مراجع تاريخية قام بتجليدها بنفسه، وروايات نجيب محفوظ عليها توقيع الأستاذ للتلميذ. الكتب موجودة حتى فى غرفة نومه فوق سريره، وتحت المرتبة. ظل يقرأ حتى آخر أنفاسه، حيث كانت لديه عادة داوم عليها، وهى أن يقرأ أكثر مما يكتب، وكان يقول «قراءة عشر ساعات وكتابة ساعة هى الوصفة السحرية»، فكان يجن الليل عليه، ليدخل مكتبه شارعاً فى القراءة حتى يأتى آخر الليل فيبدأ فى الكتابة، بقلمه الخاص، إذ لم يستخدم التكنولوجيا، وبات الورق والقلم سلاحين لم ينقطع عنهما. الحياة توقفت عند يوم التاسع من سبتمبر فى المكتب، حتى النتيجة المعلقة، لم تقطع منها ورقة بعد ذلك اليوم. ساعته الخاصة، وقلمه المفضل، ونظارته الأخيرة، وعدسته المكبرة، كل الأشياء تحتفظ أسرته بها فى عناية، مرتبة فى موضعها. يحكى ابنه زين عن استحياء رواياته، قائلاً إنه كان مستمعاً جيداً، يجيد سماع الناس، وحكاياتهم، ويضعها فى ذاكرته، ويستعيدها بعد ذلك، صابغاً عليها من روحه. وأكد أن هذا السبب هو الأساسى فى كراهيته لجلسات المثقفين، بما تحوى من بعد عن الشخصيات المهمشة والمهروسة فى الواقع المصرى التى كان يجيد الكتابة عنها باقتدار. كالأرابيسك، يجمع القطع، لكنه لا يصنع نسيجاً خشبياً، وإنما نسيجاً من لحم ودم، يسير داخل الورق، محفوظاً من دوامة النسيان. الراحل لم تكن حياته منعمة، والمكتبة العامرة التى يمتلكها، اضطر إلى بيعها لمكتبة فى الإسكندرية، بـ100 جنيه فقط، وكانت تحوى قرابة الثلاثة آلاف كتاب، لكنه وقتذاك كان محتاجاً للانتقال من الإسكندرية، للعيش فى القاهرة، وقد كان، وتلك الفترة هى التى كتب عنها كتابه: «موال البيات والنوم». طقوس الكتابة لديه لم تكن غير عادية، فهو من الأشخاص غير المؤمنين بالوحى والإلهام والنسيج الأسطورى الذى يدعيه بعض الكُتّاب، فكان يكتب أحياناً على المقهى أو فى غرفته، لكن حين يكتب رواية يخطها فى مكتبه، وكان يتبنى نظرية أن العمل المكتوب كالولادة، تأخذ فترة ما حتى ينضج الوليد فى الرحم، ثم مرحلة المخاض، وصولاً إلى صرخة الحياة، التى يمثلها خروج الكتاب من المطبعة. كان «عم خيرى» يكتب على ورق بحث، ويعده بشكل منظم، بحيث يكتب ملامح شخصيات رواياته، ويسجل التفاصيل التى تعينه فى كتابة النص الروائى، وكانت البروفات كثيراً ما تختصر ويحذف منها، حتى أن رواية وكالة عطية اختصر نصفها تقريباً، وظل يكتب فى «الشطار» أكثر من 7 سنوات، لكن ميزة كانت تسمه، إذ أنه بين العمل والعمل كان هناك عمل، فغزارة أعماله كانت لإخلاصه فى الكتابة، وكانت من ضمن الأشياء التى اعتاد عليها، حين ينشغل بعمل روائى ضخم، أن يكتب من خلاله مجموعة من القصص القصيرة، يخلق بها مولوداً جديداً. اهتم فى أى مكان يقطنه، بتهيئة مكان خاص بالكتابة، فى إحدى الشقق التى سكنها، أعد مكتبه فى البلكونة، وفى شقة أخرى كان يكتب فى المطبخ، حتى يكون قريباً من الشيشة، التى داوم على شربها أثناء الكتابة، لكنه انقطع عنها قبل وفاته بعشر سنوات، لظروف مرضية، واقتصر على تدخين السجائر. الناقدة الأولى لأعماله كانت زوجته، التى كانت ترى أول نسخة للكتاب، وتبدى فيها رأيها، وأكثر ما أحبت من أعماله «وكالة عطية» و«نسف الأدمغة». قبل وفاته بفترة قليلة، بدأ فى رواية جديدة، كتب منها عدة صفحات، ثم جاء بدبابيس، وأغلقها. سأله زوج ابنته عن علة ذلك، فكان رده «لأنى مش حلحق أكملها». كان يشعر بدنو الأجل، كتابته واقترابه من البسطاء، جعل قلبه بالغ الرقة، وإحساسه عظيم الثراء. تستعيد زوجته مشهد النهاية، حيث هاتف إبراهيم أصلان من الثانية والنصف صباحاً وحتى الرابعة. ودخل بعدها إلى مكتبه، ليكتب مقاله الأسبوعى، دخلت عليه المكتب: - كل دا رغى مع إبراهيم أصلان؟. - معلش كنا بنتكلم على موضوع مهم مضايقه. عشر دقايق وحاجى لك الأوضة عشان مش حكتب لأنى محتاج أتكلم معاكِ شوية. ينحى القلم، يدخل إلى المكتب فى أناة، يجلس على السرير، يحكى لها عن تفاصيل المكالمة التى دارت مع رفيق عمره أصلان منذ قليل. يضع رأسه على الوسادة ويغمض عينيه. تكلمه فلا يجيب. تهزه فلا يبدى ردة فعل. تناديه: «أنت نمت؟.. هو النوم بييجى فى ثانية؟. قوم بقى يا خيرى وبطل هزار مش كدا. قوم يا خيرى وكمل كلام.. أنت بتهزر صح. بتهزر أنا مش مصدقة أنك مش بترد». لكنه كان قد نام بالفعل نوماً أبدياً، وفارقت روحه الحياة، لكنه عاش فى كل منزل يعرف سبيل القراءة. أخبار متعلقة خيرى شلبى.. عام على رحيل أمير الصعاليك والمهمشين «الوطن» فى بيته.. هما "وحى الإبداع" الوتد.. موّال فى حضرة خيرى شلبى ريم تكتب عن «الأب الأنيق» القهوة في انتظارك موال الحياة والموت «شباس عمير».. أسطورة «الوتد»حين تحن"أنس الحبايب"