10 فلاسفة في اجتماع طارئ لبحث لغز كورونا (2-2)

إمام أحمد

إمام أحمد

كاتب صحفي

قفز نيتشه من كرسيه: انظروا.. لقد استدعانا سقراط من مقابرنا لمناقشة هذا الابتذال. فيروس لعين أصاب الإنسان الحالي بما يستحقه، فماذا نقول؟.. حسناً، إنها الطبيعة تقدم لهذا النسل عديم الفائدة هدية متأخرة،؛ فتقلص عدداً لا قيمة له، وتبشر بقيامة جديدة للإنسان الأعلى الذي يحل محل هذه الخراف، هذا كل ما في الأمر.

سقراط: أتعرف ماذا كنت سأفعل لو التقينا معاً بإحدى محاوراتي القديمة في أثينا؟

نيتشه: لا أعرف ماذا كنتَ ستفعل، لكني أعرف ماذا كنتُ سأفعل أنا. لو التقينا، لمنعتك عن الكلام.

سقراط مخاطباً بقية حضوره: تكلم نيتشه؛ فرأيناه.. دعوني أراكم.

أفلاطون: الجبان يجزع من الأذى، والصالح يتحمله، والفاضل يدفعه. والمرض أذى سيمر بعد أن يفرز الناس طبقات ويترك فيهم حكمته.

سقراط: أتقول إن للمرض حكمة؟

أفلاطون: لكل شيئ حكمته، الله لا يخلق الأشياء عبثاً.

أرسطو يلتقط طرف الحديث: لكن لتسمح لي معلمنا، لكل شيئ حكمته، ولكل شيئ منطقه أيضاً. والمنطق يدعو لمعرفة السبب، والسبب فيما استقرأته سوء تصرف مع الطبيعة أدى لظهور مرض لم يظهر من قبل. وكما تعلمون دفع الشيئ بدفع سببه، فإذا أحسن الناس معاملة الطبيعة من حيوان ونبات وجماد، أحسنوا إلى أنفسهم.

ديكارت: لا يعجبني الحديث عن هذا الشيئ المسمى كورونا، كأنه حقيقة طبيعية مطلقة. حتى لو كان حقيقة، فكل حقيقة مشكوكٌ فيها. أريد أن أسأل: هل نجزم بأنه من صنع الطبيعة ولم تصنعه معامل بيولوجية؟.. هل نجزم بأن الجائحة أدارت نفسها بقانون الصدفة ولا تديرها يدٌ خفية؟.. هل العلاج غير موجود أم غير مخطط لإعلانه الآن؟.. أنا لا أطرح قناعات، لكني أطرح أسئلة تدعونا للشك الذي سيقودنا وحده للرأي الحسن.

ابن رشد: الحسن هو ما حسّنه العقل، ومن الحكمة النظر في الأمور بحسب ما يقتضيه البرهان. والبرهان أمامنا أن الجائحة لم تستثن دولة ولا أمة، ولم تفرق بين ملك أو رعية، فالشك عندي هنا ليس مقبولاً. بعين العقل نحن أمام وباء، وبعين الحكمة نحن أمام بلاء، والله يبتلي عباده لاختبارهم في أمرهم أو ردهم إلى أمره.

ماركس متهكماً: ابتلاءٌ إلهيٌ!.. ألم أقل قديماً أن الدين أفيون الشعوب، وهذه بضاعة رجال الدين الرائجة للذين لا عزاء لهم.

غضبَ ابن رشد، وقال معترضاً بحدة: أما الدين فليس أفيوناً، وأما أنا فلست رجل دين، ولتناظرني إن شئت في أي من قضايا الفلسفة أو التاريخ أو الطب أو حتى الاقتصاد، وليشهد الحاضرون على بضاعتي وبضاعتك.

حاول سقراط امتصاص غضب ابن رشد، قائلاً: تشهد علينا ولا نشهد عليك. ثم خاطب ماركس: فلتقل لنا ما عندك، ودعك مما عند الآخرين.

ماركس: ما نشهده مآلٌ طبيعيٌ لنظام عالمي رأسالمي مختل، إذا لم يسقط بالثورة، سقط بالجائحة. هذا الوباء يكشف لنا تهاوي نظم السياسة والاقتصاد والخدمة العامة في عالم طبقي فاسد لا يعرف عدالة إنتاج ولا مساواة توزيع ويديره حفنة من اللصوص.

هيجل وبدا غير راضٍ عما قاله ماركس: لسنا أمام أزمة اقتصادية أو سياسية، هذه قراءة في غير نصابها. لكننا أمام مرحلة جديدة من مراحل التاريخ تدفعنا إلى الوحدة أو الهلاك.. على الجماعة البشرية أن تختار.

روسو: على الجماعة أن تختار، لكن وفق عقد اجتماعي يحمي حقوق الفرد وحرياته. الجائحة ماضية والمجتمعات باقية، أقول إن الأخطر من جائحة كورونا جائحة كل سلطة غير رشيدة. وأقول أيضاً إن كل شيئ على ما يرام طالما حرية الفرد لا تمس.

فولتير: الإنسان دائما يبحث عن الأوهام لأنه أجبن من أن يواجه الحقائق. الناس تموت في بيوتها والجبناء يقولون إن كل شيئ على ما يرام. بعضهم يتاجر بالله وبعضهم يتاجر مع الحكومة وبعضهم يتاجر بالحرية المطلقة ويداهنون جهل الدهماء. الشك أمر غير مستساغ، لكن اليقين خطيئة، وأنا بين الشك واليقين سأنتظر.. حتى تذهب الجائحة لأرى!

سكت الجميع، وبعد ثوانٍ أنهى سقراط الاجتماع، وأذن لضيوفه بالمغادرة، على وعد بموعد آخر.. لم يُحدَد بعد.

فسأله أحدهم: لكن لم تخبرنا ماذا ترى؟

فقال سقراط: لا أعرف.. كل ما يمكنني قوله إن الحياة دون اختبارات لا تستحق العيش.

10 فلاسفة في اجتماع طارئ لبحث لغز كورونا (1-2)