الإعلام الغربى فى زمن الـ«كورونا»
جميعنا مشغول بالبحث والتنقيب فى صحتنا العقلية وراحتنا النفسية فى ظل إجراءات الحظر والعزل والحجر المفروضة، سواء ذاتياً أو إجبارياً، بفعل «كورونا». البعض يقترح أنشطة من شأنها أن تشتت الانتباه بعيداً عن الإغراق فى أخطار الفيروس وأهوال العدوى. والبعض الآخر يميل إلى تطبيقات رياضية وتمرينات يوجا جماعية أو فردية للإبقاء على اللياقة الذهنية والجسدية. آخرون يجدون فى المطبخ والعجن والخبز مهرباً من القلق وملجأ لتمضية الوقت. فريق آخر قرر أن يخصص وقته وجهده للتضرع للسماء لرفع البلاء إلى أن يصل آخرون إلى علاج أو لقاح، وهلم جرا.
والحقيقة أن مشاعر القلق والهلع والوجل، إلى آخر المفردات المرتبطة بالفيروس الذى مازال غير معلوم الملامح وغير معروف التطور طبيعية جداً ومتوقعة جداً جداً. ويكفى أن مليارات البشر حول العالم تستيقظ كل صباح وهى تفكر: هل أنضم أو أحبابى قريباً إلى هذا العداد أو ذاك؟ عداد المصابين يركض أمام أعيننا فى خرائط الإنترنت التفاعلية التى تبث مباشرة تطور الإصابات فى العالم. وعداد الوفيات شرحه. وهى تحاصرنا أينما ذهبنا، فإن توقفنا عن تصفح المواقع وتتبع الخرائط، طالعتنا عبر برنامج هنا أو شريط خبرى هناك.
لكن هناك ما يستحق المتابعة والملاحظة فى شأن «كورونا» فيما يختص بإعلام العالم، فهذه المتابعة المتأنية من قبَل مختصين ربما تخرج بنتائج مفيدة على صعيدى الإعلام والسياسة. فى أعقاب أحداث الربيع الشتوى، عايشنا فى مصر حالات مرضية من الاستقطاب الدينى والسياسى، والفُجر فى الخصومة، والجنون فى ترجيح كفة الجماعة على حساب الوطن. وكنا نظن أنها سمة من سمات المنطقة دون غيرها. ذقنا -ومازلنا- مرارة تسييس كل تفصيلة، وتديين كل تحرك، وإصدار أحكام موضوعة طبقاً لقناعات شخصية وليس قواعد منطقية على كل ما ومن حولنا.
لكن ما يجرى حولنا وما نطالعه ونتابعه فى إعلام الكوكب هذه الآونة يشير إلى أننا لسنا وحدنا. الإعلام الأهوج يطغى. ها هى مؤسسات إعلامية كبرى تسقط فى فخ «تخليص الحق» والإجهاز على الساسة منتهزين فرصة «كورونا» ولو كان ذلك على حساب ملايين البشر الذين لا يعنيهم الساسة ولا معارضوهم بعد الانقلاب العنيف فى قائمة الأولويات. من كان يصدق أن تستمر مؤسسات إعلامية أمريكية فى الدق على وتر معاداة الرئيس الأمريكى ترامب ولو كان ذلك الدق ينال من رؤوس ملايين المواطنين؟ لكن المسألة بالغة التعقيد، فقرارات الرئيس ترامب وتحركاته وتنبؤاته فيما يختص بـ«كورونا» مادة غنية للقيل والقال، ومدعاة للاعتراض الطبى والتقويم من أجل الصالح العام. لكنها فى نفس الوقت يتم التعامل معها من قبَل الإعلام الرابض ضد ترامب باعتبارها فرصة ذهبية للانقضاض على الرجل، وهو ما يفتح الباب للسؤال: ما هو الترتيب الذى بات يشغله المواطن العادى فى أولويات جانب كبير من الإعلام الأمريكى فى زمن «كورونا»؟ هل ما زال فى المكانة الأولى أو الثانية؟ أم تغير الترتيب؟
ترتيب الإعلام البريطانى يطل أكثر حصافة وحكمة، فعلى الرغم من التشابه الكبير -الذى يصل أحياناً حد التطابق- فى موقف العديد من المؤسسات الإعلامية البريطانية الرافض لسياسات رئيس الوزراء البريطانى بوريس جونسون منذ تقلده المنصب، ورغم تطور الرفض إلى معارضة شديدة تتأرجح بين التهكم والتحذير الشديد من سياساته المعلنة فى شأن التعامل مع الفيروس، حيث مناعة القطيع ودعوة الشعب البريطانى للاستعداد لتوديع أحبابه، إلا أن التركيبة البريطانية تختلف عن الأمريكية من حيث الدهاء والعمق والقدرة أو الرغبة فى توصيل الرسائل الحاسمة والحادة ولكن عبر «رأس الرجاء الصالح».
الصالح العام لسكان الكوكب ليس على رأس أولويات التطاحن الجارى والتراشق الدائر. والمواطن المصرى أو الكينى أو الإكوادورى أو الإيطالى أو الماليزى أو البلجيكى أو السيراليونى وهو قابع فى بيته ملتصق باشاشته الإعلامية لا يعنيه كثيراً حالياً أن يكون الفيروس مؤامرة أمريكية أو صينية أو روسية أو مشتركة. كما لا يعنيه أن يحرز الإعلام الأمريكى هدفاً فى مرمى ترامب، أو أن يلعبها الإعلام البريطانى «صح» ويخرج من كارثة كورونا بنيشان يثبت أن موقفه من جونسون منذ البداية كان مصيباً. وهذا المواطن ربما تستهويه فى الأحوال العادية متابعة خناقة حامية الوطيس بين دول كبرى، أو استعراض عضلات إعلامية لمؤسسات عظمى، أو تراشقات لفظية أو حتى ملاكمات بالأيدى بين ساسة وإعلاميين. وهذا المواطن هو من كان يبث الحياة فى «تريند» هنا أو يحقق الانتشار المليونى لـ«شاهد قبل الحذف» هناك. لكن هذا كان فى زمن ما قبل كورونا.
فى زمن «كورونا» أولوية المواطن فى الكوكب صحته وصحة أحبابه، ثم مصير عمله ومصدر