في ذكرى تشرنوبل

مرت منذ أيام ذكرى كارثة تشيرنوبل، ولكن بصورة مختلفة عن المعتاد، فاُوكرانيا صاحبة أرض تشيرنوبل تشهد أحداث سياسية وعسكرية متلاحقة، أحد َأطرافها روسيا صاحبة تكنولوجيا مفاعلات تشيرنوبل. حدثت الكارثة يوم السبت الموافق 26 إبريل عام 1986، وفي حينها كانت أوكرانيا جزء من الاتحاد السوفيتي. ويستخدم أطراف النزاع الحالي في أوكرانيا، سواء المدعومين من الإتحاد الأوروبي، أو المؤيدين لبقاء أوكرانيا تحت المظلة الروسية، لهذا الحدث المروع للترويج لمواقفهم. لذلك كانت نبرة الإحتفال بالذكري أعلي من أي وقت مضي. ونحن خارج نطاق هذا الخلاف، ننظر للحدث من زاوية درجة أمان تقنية المفاعلات النووية لإنتاج الطاقة. أصبح من السهولة بمكان أن يتصدر المشهد، في التلفزيون المصري، أنصاف المتعلمين ليلقوا لنا بالنصح، كيف نشغل المفاعلات النووية ونحن علي ما نحن علية من عدم أحترام للعلم والقانون، وإذا كان مفاعل تشيرنوبل قد إنفجر بين يدي صانعيه ومبدعيه، فكيف يكون، بالله، الوضع ونحن لا ندري من أصول التقنية شئ. لأجل ما سبق، عزمت أن أقدم للقارئ العزيز مقالات تهدف للمساعدة علي التصور الصحيح للحادث، بين أحداث أخري مروعة، وموقف الطاقة النووية بين تقنيات الطاقة الأخري، من منظور السعر والأمان والتأثير البيئي. ويمكن إيجاز كارثة تشيرنوبل التاريخية، في أن أربعة مفاعلات نووية قد شيدها الإتحاد السوفيتي في أوكرانيا للإستخدام السلمي لتوليد الطاقة والبحوث العلمية في مقاطعة كييف. ومن الناحية التقنية، تعتمد المفاعلات النووية الروسية الصنع علي التبريد بواسطة الجرافيت المعالج والذي تمر بداخله دوائر التبريد التي تحيط بالوقود النووي والمصنوع من اليورانيوم-235 "المخصب". الأربعة مفاعلات تعمل بتناغم كامل مع أحتياجات المقاطعة من الطاقة، فتزيد التفاعلات النووية عند زيادة الإحتياج للطاقة، والعكس صحيح. يحتوي المفاعل الرابع (صاحب الحادث) علي 1600 أنبوبة وقود يمر حولها سوائل تبريد يبلغ معدل مرور سوائل التبريد حول أنابيب الوقود حوالي 28 الف لتر في الساعة. الجميع، أي الوقود النووي وسوائل التبريد موزعة بنظام محدد داخل لب المفاعل المصنوع من الجرافيت المعالج، كما سبق القول. ولأسباب تقنية حدث خلل أثناء إجراء تجارب صيانة في ضغط التبريد، أدي إلى أرتفاع حاد وسريع في درجة الحرارة، حيث وصل مستوي الطاقة الناتجة من المفاعل الرابع حوالي 33 الف ميجاوات، وهي عشرة أضعاف الطاقة الحرارية المفترضة. سرعان ما خرج نظام التشغيل عن السيطرة، لتحدث سلسلة من الإنفجارات التي وصلت إلى الجرافيت والذي أشتعل منفجراً عند حوالي الساعة الواحدة والثلث ظهراً، متحولاً إلي سحابة هائلة من الجرافيت المشتعل ومعه ذرات الوقود النووي الذي تفتت بدوره. وتحركت هذه السحابة المشبعة بذرات المواد المشعة وأهما الوقود ذاتة، أي اليورانيوم-235 ونواتج الإنشطار وعلي رأسها السيزيوم -137 وأيضا نواتج الأسترونشيوم-90، واليود-131 والغازات الخاملة المشعة. يظن البعض أن حادث تشيرنوبل هو إنفجار نووي، وهذا غير صحيح تماما، الانفجار النووي له مواصفات محددة، فيجب أن يحدث من تفاعل إندماجي أو إنشطاري متسلسل، وهذا ليس توصيف ما حدث في تشيرنوبل الواقع أنة إنفجار لنظام تبريد وكتلة هائلة من الجرافيت، أدي إلى تفتيت الوقود النووي ونواتجه، متناثرة كسحابة هائلة، خضعت في حركتها لظروف المناخ وأهمها سرعة الرياح ومعدلات الأمطار، تسبب ذلك في تلوث إشعاعي لمساحة كبير من شمال غرب أوروبا، حتى أن التلوث الإشعاعي رصد في السويد، قبل أن يعترف الإتحاد السوفيتي بحدوث الإنفجار. بالطبع نتجت صدمة صوتية (سيزمية) من الإنفجار والذي بلغت الحرارة الصادرة عنه ما يساوي 10 الف مليون كالوري (وحدة قياس حراري تساوي 4 جيول) والتي تعادل تفجير عبوة مقدارها 10 طن من مادة التي إن تي، الموجة السيزمية الناتجة من الإنفجار تم رصدها في حينه في دول كثيرة منها الولايات المتحدة وكندا، وجميع مراصد أوروبا الغربية. حتي وان كان حدوث الإنفجار وتحديد مركزة قد تم بدقة عالية، فإن الربط بين الموجة الصوتية والمفاعل النووي لم يكن سهلاً، نظرا لسياسة التعتيم السوفيتية. كان من الممكن أن يمتد التفجير للمفاعل الثالث والمجاور للمفاعل الذي شهد الحدث. أمتدت التفجيرات لتصيب سقف المفاعل الثالث، بل ودمرت جزء منه، الأمر الذي أصاب العاملين فيه بالهلع، وتضاربت قرارات القيادات فيأمر أحدهم بغلق المفاعل الثالث فوراً، بينما يعطي الأخر قرار بإستمرار العمل وتحصين العاملين بأدوية مضادة للتلوث الإشعاعي، علي كل حال لم ينفجر المفاعل الثالت، وأستمرت جهود هائلة لاحتواء أثار الحدث، رغبة في أن يتم التستر علي ماحدث. بدأت عمليات الإطفاء قبل مرور دقيقتين علي الإنفجار، وكانت التعليمات لرجال الإطفاء عدم الاقتراب لداخل المفاعل الرابع ولكن الحماس للأداء الأفضل دفعهم للدخول لبؤرة الحدث وأبدي بعضهم الإندهاش من كثرة كتل الجرافيت المتناثر، وأستغرب بعضهم حرارة الجرافيت العالية. بالطبع دفع أغلب رجال الإطفاء حياتهم ثمناً للحماس والفضول، والكثير منهم مات بتأثير الأشعاع يعد مرور أيام أو أسابيع أو حتى شهور. أستمرت النيران مشتعلة في المفاعل الرابع حتي يوم 10 مايو، أي بعد أسبوعين من الحدث، ساهمت الطائرات الهليوكبتر في عمليات الإطفاء بإلقاء ما يزيد علي خمس اللآف طن من المواد الأسمنتية لردم لب المفاعل المدمر، بل أن أحد الطائرات سقطت بذاتها داخل لب المفاعل عندما أعاقها كابل كهربائي، وقتل طاقمها المكون من أربعة عسكريين، لقد كان حماس الكثيرين أكبر من التحوط للخطر. بلغت مساحة المنطقة التي تأثرت بالتلوث الإشعاعي من الحدث حوالي 100 الف كيلومتر مربع، تمثل أغلب دول أوروبا الغربية. وصل التأثير للهواء والتربة الزراعية، وحتي علي ملابس السكان، ثم أمتد التأثير ليشمل الزراعات والمياه السطحية والجوفية، بل وصل للأبقار والبانها، وبالتالي للجبن ومنتجات اللألبان المصنعة في دول غرب أوروبا. تسبب اليود-131 وهو أحد نواتج الوقود النووي بحدوث 16 الف حالة أصابة سرطان بالغدة الدرقية. والنظير المشع السيزيوم-137 كان له دور كبير في الإصابات السرطانية، ليس بين البشر وحدهم بل والحيوانات أيضاً. وهذا النظير المشع له فترة نصف عمر حوالي 30 سنة، مما يعني أحتمال أمتداد تأثيره السلبي حتى اليوم. علي الرغم من أن عدد حالات الوفاة التي تأكدت نتيجة الإصابة المباشرة بلإشعاع كانت فقط 35 حالة، غير أن التأثيرات الصحية السلبية أمتدت لحوالي مليون من البشر، يعتقد في موتهم المبكر بتأثر التلوث، كما تسبب الحادث في تهجير أكثر من ثلث مليون مواطن، لقد كان حدثاً جللاً، ولكن هل مر مرور الكرام وطواه النسيان، كما يحدث عندنا في دول الشرق؟