أهلك لـتهلك.. حكايات الدعم والسند في مواجهة كورونا
أهلك لـتهلك.. حكايات الدعم والسند في مواجهة كورونا
- مصابو كورونا
- المناعة
- دعم مرضى كورونا
- فيروس كورونا
- كورونا
- مصابو كورونا
- المناعة
- دعم مرضى كورونا
- فيروس كورونا
- كورونا
مع تفشى فيروس كورونا والخوف المفزع من الإصابة، ظهرت قصص مفجعة من أشخاص تملأ قلوبهم القسوة والجحود، لدرجة تخليهم عن ذويهم المصابين أو المتوفين خوفاً من انتقال العدوى إليهم، لكن فى المقابل كان هناك أشخاص يضحون من أجل ذويهم الذين وقعوا ضحية هذا الفيروس، اقتربوا منهم أكثر، احتووهم بشدة، وقفوا إلى جانبهم لا يفصل بينهما إلا باب عزل فرضته الظروف.
احتواء، دعم، تشجيع، مشاركة، رسائل طمأنينة، فيض من المشاعر انهال على المصابين بالفيروس من أسرهم، جعلهم أقوى فى محاربة المرض، حتى كُتب لبعضهم الشفاء سريعاً بفضل الأدوية الطبيعية التى شدت من عزيمة أجهزتهم المناعية.
«الوطن» ترصد فى السطور التالية قصصاً أبطالها أزواج وأشقاء وأمهات كانوا هم حجر الأساس والأرض الصلبة التى مهدت للمصابين بكورونا طريقاً للشفاء.
دعم أسرى فى رسالة: لازم تخفّى يا "مروة" مانقدرش نعيش من غيرك
«قلبى كان بيتقطع عليها، كنت مستعدة أبقى مكان بنتى وأشيل التعب عنها، بس هى ماتتألمش»، كلمات نادين أحمد، بعد أن علمت بإصابة ابنتها مروة الصيّاد، 23 عاماً، نتيجة عملها ممرضة فى مستشفى الزهور بمحافظة بورسعيد. بدأت رحلة الشابة العشرينية والابنة الكبرى مع الفيروس بعد تعاملها مع حالة إيجابية لتتأكد من إصابتها بعد 8 أيام من العزل المنزلى، تحكى والدتها: «لما جت وحكت لى اللى حصل جهّزت لها أوضة فيها تليفزيون ونت علشان تعزل نفسها عن باقى إخوتها، وبقيت باراقبها علشان لو فيه أى أعراض، وده اللى حصل فعلاً، بعد ما بدأت تسخن وتكح».
لعبت «نادين» دور الأم والطبيبة والصديقة الوفية لابنتها، لتقويها فى تلك المحنة: «كل حاجة كنا بنعملها سوا، ولما اتصابت واتعزلت شاركتها كل نشاطاتنا، حتى لو كان كل واحد فينا فى أوضة، كنت بابعت لها الأغانى والمسلسلات اللى كنا متعودين نتفرج عليها مع بعض، وبنقعد نتناقش فيها علشان تحس أنها فى وسطنا».
كانت الأم ترتدى الجوانتى والكمامة وتدخل إلى غرفة العزل لتعطى ابنتها الأكل والأدوية: «مش معقول هتقعد 10 أيام مابتشوفش الناس اللى معاها فى البيت، خصوصاً إننا مرتبطين بها جداً، ولما كانت الأعراض بتزيد عليها كنت باقول لها لازم تخفى يا مروة إحنا مانقدرش نعيش من غيرك».
تحكى «نادين» أنّه بنهاية اليوم التاسع فى العزل المنزلى بدأت أعراض ضيق التنفس تظهر على ابنتها، وقتها لم تشعر بنفسها إلا وهى تحتضنها وتربت على ظهرها: «كنت محتاجة حد يطمنى إنها هتخف، لفيت بيها على المستشفيات القريبة منا، لأننا كنا وقت حظر ومفيش مواصلات»، لافتة إلى أنها مرت بلحظات عصيبة للحصول على جهاز تنفس صناعى: «الدقيقة كانت بتفرق، ولما حسيت إنه ممكن بنتى تروح منى دوّرت على أقرب كمين للجيش ورُحت لهم علشان يساعدونى ويوصّلونى لمستشفى».

قضت الفتاة العشرينية يومين فى مستشفى حميات بورسعيد، وبعدها انتقلت إلى مستشفى أبوخليفة بالإسماعيلية، الذى يبعد عن مسقط رأسها 85 كيلومتراً، كانت الأم تقطعها يومياً للاطمئنان على ابنتها: «كنت باروح أديها كروت شحن علشان نتكلم وماتحسش بملل، كنت باعيط علشان وحشتنى. ولما خفّت حسيت إنى اتولدت من جديد».
الزوج المخلص رزق: عيطت لما خدوا مراتى المستشفى
مشهد أشبه باللقطات السينمائية: سيدة أربعينية تدخل وحيدة إلى أحد مستشفيات العزل بعد أن ودعت زوجها بالدموع، تجر خلفها حقيبة لا تقوى على حملها من شدة التعب، وأمامها زوجها يمسح دموعه التى سالت على وجنتيه، «شعور حزن مايتوصفش وأنت رايح بنفسك تودى مراتك لمستشفى العزل، حاجة عاملة زى السجن، اللى بره مش مسموح ليه الزيارة واللى جوه مايقدرش يطلع».. كلمات ثقيلة تفوه بها عمرو عاشور، واصفاً الساعات والأيام المريرة التى عاشها بعد إصابة شريكة حياته نيفين موسى، بالفيروس حتى تعافيها.
يعمل الزوجان طبيبين، الزوجة أستاذ كبد وجهاز هضمى ومناظير بكلية الطب جامعة عين شمس، ومشرفة وحدة الفيروسات بمستشفى الفاطمية، وكان ذلك عاملاً أساسياً فى إصابتها، حسب زوجها: «نيفين تقدر مرضاها لدرجة كبيرة، لم تغلق عيادتها حتى بعد تفشى الوباء، ماكانتش خايفة على نفسها وكل همها المرضى، ماوقفتش غير بعد إصابتها».
أصيبت «نيفين» بالفيروس فى أول أيام شهر رمضان، بعد ظهور الأعراض: «لما الأعراض ظهرت وبدأت تزيد بعد أسبوع قررت آخدها ونعمل مسحة، واتأكدت إصابتها»، خلال فترة وجودها فى المنزل لم يتخل عنها، كان دائماً إلى جانبها لدعمها: «الست اللى كانت بتيجى تساعد فى شغل البيت هربت، بقيت أنا اللى بقوم بشغل البيت وباخد بالى من نيفين».

بعد أيام قرر «عمرو» إيداع زوجته مستشفى العزل بالعبور خوفاً من تدهور حالتها: «كنت خايف يحصل جلطات فى الرئة خصوصاً إن الأعراض بتزيد، وكانت ممكن تحتاج جهاز تنفس وده مش هاعرف أوفره فى البيت»، يروى اللحظات الصعبة التى وقف فيها أمام البوابة الخارجية للمستشفى يتابعها وهى تدخل بمفردها: «كانت بتنام جنبى وهى مصابة ماقدرتش أبعد عنها، دى مراتى وأم عيالى، ويوم ما كانت رايحة المستشفى لقيتها بتكلم أوبر يوصلها عشان خايفة إنها تعدينى، بس أنا رفضت وصممت أوصلها، قعدت وقلت لها إحنا مالناش غير بعض وهتخفى وترجعى لنا تانى».
الزوجة المضحية: دعمت جوزى وولادى.. ونسيت نفسى
نتائج مسحات «بى سى آر» أظهرت إيجابية إصابة كل من هلال لبيب، مدرس لغة إيطالية، وزوجته إيفون شفيق، وطفلتهما «مانويلا» 4 سنوات، بينما نجا نجلهما «كريم» 8 سنوات، فاجعة كبيرة ومهمة ثقيلة ألقيت على العائلة الصغيرة التى تقطن بمنطقة التجمع الأول.
تعود القصة حسب رواية «إيفون» إلى منتصف مارس الماضى: «هلال كان مسافر مرسى علم، ولما رجع كان عنده أعراض همدان وتكسير فى الجسم، بعدها بدأ يكح وأعراض الفيروس ظهرت عليه».
7 أيام مرّت ورغم العزل المنزلى إلا أن حالته لم تتحسن بل ازدادت سوءاً: «كنت قلقانة عليه وبحاول أخفف عنه بأى طريقة، وأصعب وقت لما عزلته فى أوضة لوحده بعيد عن الأولاد، هو كان متفهم ده بس أنا كان قلبى واجعنى عليه وماكانش هاين عليا إنه ياكل لوحده، فكنت بخليه يقعد معانا فى الصالة بس بعيد شوية، وبعد ما نخلص بعقم المكان كله».
بعد أسبوع نصحها الأطباء بضرورة إجراء مسحة لزوجها فتأكدت إصابته، وفى صباح اليوم التالى اتجهت الأم إلى المستشفى ذاته برفقة نجليها لعمل المسحة باعتبارهما مخالطين: «اتأكدت من إصابتى وإصابة بنتى، وتم نقلنا لمستشفى قها بالقليوبية، وزوجى فى مستشفى 15 مايو»، تحكى «إيفون» عن اللحظات العصيبة التى مرت بها: «نظرات هلال والإسعاف جاية تاخده من البيت كانت صعبة، ورغم إنى كنت مستنية الإسعاف عشان تاخدنى على المستشفى التانية».

لم تنقطع اتصالاتها بزوجها داخل المستشفى لطمأنته عليها وعلى ابنتهما: «كنت تعبانة بس كان لازم أكلمه عشان أدعمه نفسياً، وكنت بكلم ماما وبابا أقول لهم إنى أنا ومانويلا بخير وعشان أتطمن على كريم اللى ماكانش بينام غير لما يسمع صوتى»، رغم حاجة مريض كورونا إلى الراحة إلا أن «إيفون» كانت تجد راحتها فى نشر الطاقة الإيجابية بين أفراد أسرتها: «بعد شهر تقريباً خرجنا واتعزلنا فى البيت، كنت بخلى هلال يرتاح وأنا اللى باعمل شغل البيت ولما بحس بتعب كنت بريّح».
قلب الأم: منعوها من زيارة ابنتها فقررت رؤيتها من خلف شباك المستشفى
دعم قوى ومساندة وجدتها هاجر محمد، 27 عاماً، من والدتها إيمان مصطفى، التى تعمل إخصائية اجتماعية، ففى الوقت الذى خافت فيه من نظرة الناس وفرارهم من مرضى كورونا، وجدت والدتها تحت قدميها تلبى لها كل احتياجاتها، خاصة أنها فى شهور الحمل الأخيرة، ومعاناتها من فيروس كورونا كانت مضاعفة.
تحكى «إيمان» عن ابنتها: «بنتى صيدلانية، وعرفت إصابتها بالصدفة وهى حامل فى الشهر التاسع، لما راحت علشان الدكتور يحدّد لها ميعاد الولادة، لأنها بتولد قيصرى، طلب كذا تحليل كإجراء روتينى، لأن عندها أنيميا، وساعتها عرف أنها مصابة بالفيروس»، تصمت السيدة الخمسينية قليلاً، مستطردة بصوت منخفض يغلب عليه القلق: «أول ما عرفت اتخضيت جداً، والدنيا اسودت فى عينى، كنت خايفة أخسر بنتى الوحيدة، ماكنتش عارفة أعمل إيه، وهيحصل لها إيه، وهى حامل وعلى وش ولادة وعندها طفلين».
بنبرة حماسية، قالت «إيمان» إنها لم تتردد لحظة فى البقاء إلى جانب ابنتها فى العزل المنزلى وحتى بعد ولادتها وتعافيها، مع الالتزام بارتداء الكمامة والقفازات: «من غير أى تفكير اتكلت على ربنا وقلت هابقى معاها وجنبها علشان أخدمها، واللى ربنا مقدره هيكون»، تشير الإخصائية الاجتماعية إلى أنّهم وجدوا صعوبة فى العثور على مستشفى لتلد ابنتها فيه: «بعد معاناة لقينا سرير فاضى، وصلتها أنا وزوجها وودعتها على الباب علشان غير مسموح بالدخول، وبقيت باروح ليها كل يوم فى الفترة اللى قبل الولادة علشان أطمن عليها، رغم إنى كنت باكلمها فى التليفون بس قلبى ماكانش بيرتاح غير لما باشوفها، كان ممنوع الوقوف قدام باب المستشفى، فكنت بالف من ورا المبنى قصاد الشباك بتاع أوضة العزل بتاعتها وبنشاور لبعض من ورا الزجاج وأحس أنها بخير وبعدين أمشى».

تحكى «إيمان» أنّ الأخبار المتداولة عن أن كبار السن أكثر عرضة للإصابة فى حال اختلاطهم بالمصابين، لم تثنها عن رعاية أحفادها: «كانوا مخالطين لوالدتهم، بس لو أنا خفت ورفضت إنهم يكونوا معايا هيروحوا فين»، ورغم تماثل الطبيبة الصيدلانية للشفاء، ومن ثم التعافى تماماً، إلا أن الأم لا تزال ترعاها خلال فترة النقاهة التى تمتد حسب الأطباء حتى 45 يوماً بعد ظهور نتيجة آخر مسحة سلبية: «هى دلوقتى بتقدر تتحرك وتخدم نفسها، بس قلبى مش مطاوعنى أسيبها من غير ما آخد بالى منها ومن البيبى».