سيناريو لبنان الجديد

جيهان فوزى

جيهان فوزى

كاتب صحفي

«بيروت عصيّة على الانكسار».. لكنها مختطَفة من أطراف خارجية عدة، فماذا لو سقطت فى فخ الانقسام والمحاصصات السياسية والحزبية من جديد؟ استقالة حكومة حسان دياب هى البداية، والمنتظر أن يبادر رئيس الدولة ميشيل عون بالاستقالة أيضاً. هل تتجاوز لبنان الكارثة وتحط الرحال على إصلاحات سياسية واقتصادية حقيقية لينهض هذا البلد المثقل بالأزمات؟ الكارثة الإنسانية والاقتصادية والسياسية التى وجد لبنان نفسه محاطاً بها بعد انفجار «مرفأ بيروت» ستكلف البلد والشعب الكثير، لبنان لا يحتاج إلى كلمات التعاطف والتضامن والمآزرة، لبنان يحتاج إلى فعل ملموس على أرض الواقع، الخسائر المبدئية لانفجار بيروت تقدر بين 15- 20 مليار دولار، فمن يدفع فاتورة الكارثة التى حلت بلبنان؟ هل هى دعوات المتضامنين والمساندين؟ أم يجب أن تكون هناك خطط واقعية ومدروسة للخروج من عنق الزجاجة!.

لم يخرج اللبنانيون من سُبات فساد مؤسسات الدولة والطبقة السياسية وحصار فيروس كورونا بعد، حتى حلت كارثة الانفجار، فأطفأ شمعة بيروت المتقدة التى لم تظلم فى أحلك الظروف، ودمر إرثها الثقافى والتراثى العريق، «بيروت الدرة» التى مر عليها من النوائب والأحداث العاصفة الكثير وكانت كفيلة بانكسارها، لكنها صمدت ولم تنكسر، واستمرت مضيئة متلألئة. الوضع فى لبنان كان مشحوناً قبل الانفجار، صراع لبنانى داخلى، بالإضافة إلى الأجندة الخارجية سواء من قبل إسرائيل أو إيران. ورغم أن الحدث كبير وقاسٍ، لكن لماذا لا يكون المستفيد الأول والأساسى هو إسرائيل؟ فالانفجار سيوفر المزيد من التصعيد والتوتر فى الوضع اللبنانى سواء على الوضع الاقتصادى الداخلى أو السياسى، بعد أن تصاعدت صيحات احتجاجات ومظاهرات الفقراء ووضعت الحكومة بموقف صعب. وهناك جهات عدة معنية بالتصعيد فى لبنان، لذا يمكن توجيه الاتهام لأطراف مختلفة منها محلية كفاعل أساسى أو كمقصر، أو لأطراف خارجية. إسرائيل تحاول إبعاد الشبهات عنها حتى وإن كانت مجرد شبهات، وتلقى بكرة النار المشتعلة فى ملعب الصراعات الدائرة فى الداخل اللبنانى، ففى اللقاء الذى أجراه وزير الجيش الإسرائيلى السابق «طومشيه يعالون» لموقع «إيلاف» أشار إلى أن «حزب الله كان يعلم بالمواد الموجودة فى مرفأ بيروت، وهو يسيطر على المرفأ والمطار كما يسيطر على مقدرات لبنان»، وأن إسرائيل حذرت لبنان ودولاً أخرى من مخازن أسلحة حزب الله ومواده الخطرة فى بيروت وفى أماكن أخرى، وأن إسرائيل على استعداد لمد يد العون للبنانيين ولمساعدة الأسرة الدولية للنهوض بلبنان مجدداً، منوهاً إلى أنه «يجب اشتراط المساعدات للبنان بضرورة التخلص من حزب الله وسلاحه»!!. من الطبيعى أن تنتهز إسرائيل الفرصة لإلقاء اللوم والمسئولية على عدوها اللدود حزب الله، وهو طرف أصيل فى الأزمة السياسية التى تتعرض لها الدولة اللبنانية، خاصة أنه المتهم الأول فى محاولة زعزعة الاستقرار فى لبنان واختطاف مقدراتها السياسية لصالح إيران، لكنها ليست بعيدة عن دائرة الشبهات إلى أن تتكشف الحقائق كاملة، كما أن حزب الله جزء من المنظومة السياسية المتهمة بالفساد، والذى ضرب عصب الدولة وتكاد تصبح دولة فاشلة، فلبنان من أكثر الدول مديونية فى العالم، حيث تبلغ ديونها الخارجية ما يقارب 90 مليار دولار، حين فقدت ازدهارها الاقتصادى خلال العقد الماضى بسبب الحرب السورية، والأزمات السياسية المستمرة، وخفض المساعدات الخارجية، والعقوبات الأمريكية، والهجمات الإسرائيلية المتكررة.

السيناريوهات المحتملة بعد استقالة حكومة حسان دياب متفاوتة، ولبنان يحتاج إلى معجزة للخروج من نكبته المستفحلة، فمسألة تشكيل حكومة جديدة ستُدخل هذا البلد فى دوامة من الفراغ السياسى، لأن تشكيل الحكومة فى لبنان كان على الدوام تحدياً للتيارات السياسية فى السنوات الأخيرة. السيناريو الأول يتمثل فى حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات مبكرة.

وتعد مسألة تغيير النظام الطائفى اللبنانى وصياغة قانون انتخاب جديد، بعيداً عن نظام المحاصصة، من المطالب الجادة للشعب اللبنانى، رغم أن النظام الحالى جاء نتيجة اتفاق أنهى الصراع الدموى الذى دام 15 عاماً فى البلاد، لهذا فإن هذا النظام ربما يواجه العديد من المعارضة من قبل الجماعات والأقليات التى تستفيد منه، أما السيناريو الآخر المتداول، فهو اتفاق الكتل البرلمانية على شخصية أخرى للترشح لرئاسة الوزراء. وقد أثير اسم «سعد الحريرى» من جديد كمرشح لمنصب رئيس الوزراء، رغم معارضة تحالف «8 آذار» استقالة «الحريرى» السابقة، لكن القضية المهمة التى يمكن اعتبارها سيناريو ثالثاً، هى احتمال استمرار «دياب» فى نشاطه كرئيس مؤقت لمجلس الوزراء حتى عقد انتخابات جديدة أو انتخاب رئيس وزراء جديد والتى يمكن أن تستغرق شهوراً فى ظل الخلافات القائمة وخطورة تداعياتها.

ويظل سيناريو المطلب الشعبى اللبنانى بالتدخل الفرنسى وعودة الانتداب الفرنسى إلى لبنان فى ذيل القائمة حتى وإن كان صعب التحقق، لكن التدخل الفرنسى سيكون قوياً، فهناك رغبة شعبية كبيرة لدى اللبنانيين لعودة التدخل الفرنسى بشكل قوى، وهى ظاهرة جديدة، فمن المستغرب أن تدعو دول إلى تدخل أجنبى فيها، إلا إذا كفر شعبها بقيادته السياسية وفقد الثقة بالحكومة والرئاسة تماماً، وهذا ما حدث مع اللبنانيين.