الحب والطعام.. أكثر ما أشعل الحرائق فى التاريخ!

سلمى أنور

سلمى أنور

كاتب صحفي

(عرض مختصر لكتاب «أفروديت» للكاتبة التشيلية إيزابيل الليندى)

هذا كتاب ساحر بكل المقاييس!

يأخذك، يربكك، ويتركك فى مواضع منه حيث لا تحب أن تبقى وحيداً مع ذكريات ربما شاحبة أو حزينة، بينما يضرب فى مواضع أخرى منه حواسك وخيالك بمكوناته المختلفة...يخطفك الكتاب ويلقى بك قسراً من خلال سرد «إيزابيل» الأخاذ إلى الطفولة، حيث الفضول وبواكير رحلة الاستكشاف الحسى والوجدانى...ثم يلقيك دون مقدمات فى دوامات المراهقة والحب الأول لتدور فى ذكريات مموهة ليست دوماً حُلوة وإن كانت فى مجملها تعج بالحياة والأسئلة الكبرى.

تحملك الكاتبة فى أحد فصول الكتاب إلى الصين وحكايات الشهوة والطعام فى الخيال الجمعى فى أقصى الشرق، ثم تعود بك دون استئذان إلى أمريكا اللاتينية حيث الرقص على الإيقاعات الصاخبة وحيث سطوة الكنيسة الكاثوليكية كذلك. ثم دون مراعاة لمزاجك ترمى بك الكاتبة فى الهند، لتشم معها مزيجاً من روائح التوابل والبخور، وقبل أن تشبع حواسك من المزيج الحار، ستكون الكاتبة بدأت بالفعل فصلاً جديداً فى كتابها موضوعه الحرملك فى التقليد العثمانى وارتباط الطعام بالحب بالحكايات المروية فى كتاب ألف ليلة وليلة!

إنه كتاب «أفروديت» لتلك الكاتبة العجوز الشقية إيزابيل الليندى (مواليد 1942) التى، ربما، ترى أن شقاوتها وحسيتها وذائقتها للحياة كأنثى لا تتناسب مع عمرها ومع الندوب التى خلفتها فى روحها تجربة موت ابنتها وهى شابة.

فى كتابها تنطلق الكاتبة من فكرة مفادها أن هناك رابطاً سرياً سحرياً عرفته الحضارة الإنسانية منذ القدم بين الحب الحسى وبين بعض صنوف الطعام (التى تسميها أطعمة أفروديتية نسبة إلى أفروديت، إلهة الحب والجمال والخصوبة لدى الإغريق)، وأن النبع الذى يغترف منه الإنسان لذة التذوق والامتلاء، هو واحد فى حالتى الأكل والحب.. مع استدراك صغير:

«النهم طريق مستقيم نحو الشبق وإذا ما تم التقدم فيه أكثر قليلاً، قاد إلى ضياع الروح».

كما تربط فى كتابها المثير بين الحب والفضائل الإنسانية النادرة، وتؤكد الصلة بين الجسدى والروحى رافضة مفاهيم الكنيسة الكاثوليكية التى تربت فى ظلالها والتى تكرس لثنائية الروحى/الجسدى أو السامى/الدنس.

«نأكل حتى ترتفع الروح فى تنهدات، وتتجدد الفضائل الأكثر خفاء فى إنسانيتنا الوعرة، بينما يتسرب الحساء المبارك إلى عظامنا».

وتستبعد الكاتبة من كتابها الذى يعدد صنوف الطعام التى ارتبطت بالحب عبر التاريخ، تلك الوصفات الغرائبية التى طالعتها فى كتب عتيقة يعود تاريخ بعضها إلى فترة العصور المظلمة فى أوروبا، والتى تعج بدماء الضفادع الذبيحة وقشور زعانف القرش!

كما تستدعى من ذاكرة الإنسان القديمة الروائح ذات التاريخ، وتربطها بذاكرتها الروائحية الشخصية، فتستدعى رائحة جوزفين بونابرت التى «كانت تؤمن بالقدرة الأفروديتية لأريج البنفسج الذى يخفت ثم يهيج فيتأجج»، وكيف أن تلك الأخيرة ورثت «عقيدة البنفسج» تلك عن نساء البلاط اليونانى اللاتى كن يستخدمنه قبل كل لقاء غرامى. ثم تربط رائحة جوزفين بونابرت فى مخيلتها برائحة عمتها الطيبة الوقور فى ذاكرتها والتى كانت تتمخض بعطر البنفسج، وإن كانت العمة مرتبطة فى ذاكرة الليندى بطعم الكراميلا التى كانت توزعها العمة على أطفال العائلة وهى من بينهم.

فى أحد فصول كتابها، تحكى «الليندى» عن بائع التوابل الهندى المعمم الذى يحوى دكانه الصغير جداً البخور والعطور والزيوت والتوابل السرية جميعا يزنها بميزان نحاسى عتيق بعد أن يغرفها بملعقة خشبية قديمة ليلهب بذلك خيالها، أما عن الجُبن، فتقول «الليندى»: «الجبن هو الحليب بالبكتيريا.. وكل الأوهام الأخرى»!

وفى الفصل «اللذيذ» الذى أفردته إيزابيل الليندى للجُبن، تحدثت عن الهوس بالجبن وتنوع عالم الأجبان الذى يزخر بكل الطعوم والنكهات والتنويعات فينبه الحواس ويرضى الذائقات المختلفة، وهى فى هذا الفصل تربط الكاتبة بين الجبن والبدانة وحلاوة الجسد العفى والوفير.

ولعل أكثر ما تنصح به الكاتبة قراءها شجناً هو عدم تعلم صنع الخبز المنزلى، لأنه يتحول مع الوقت إلى وله خطير، والخبز كالشعر إلهام حزين قليلاً، شرطه الأساسى الوقت الحر للروح. الشاعر والخباز أخوان فى مهمة تغذية العالم.

لكن الأكثر مداعبة للحواس فى تقديرى من بين كل الفصول، كان الفصل الذى تحدثت فيه الليندى عن القهوة وحبوبها ومذاقاتها ورائحتها (وأنا مدمنتها منذ كنت مراهقة أتعلم السهر للاستذكار والشرود وقراءة الروايات) واصفة إياها بـ«الرذيلة الصباحية» التى لا غنى عنها!