البلطجة.. ثم القتل باسم «الدين»
لفترة لم أعد أحبّذ الإشارة أو التوقف عند كثير من «المظاهر» التى تأخذ شكل «العنف اللافت»، أو العنف الذى يصل إلى حد الجرائم، وكنت ممن قد استقر فى دواخلهم، لطول ما تناولناها، أن خللاً اجتماعياً غير هين، قد ضرب بقوة فى قلب المجتمع، تعود مسئوليته لعوامل متشعبة امتدت لعقود، وكانت أشبه بالأوانى المستطرقة.. هذا الأسبوع لم أستطع تجاهل أكثر من واقعة، فى عدة سياقات متباينة، لكنها كانت قادرة على أن تعيدنى إلى السؤال حول ما يدور فى أحشاء وثنايا المجتمع. هذه واقعة كان مسرحها شارع الجزائر بالمعادى الجديدة، على حدود منطقة «البساتين».. شاب فى السابعة عشرة من عمره، ظهرت نتيجة امتحاناته ونجح فى الثانوية العامة، نزل من بيته ليحتفل، التقى زميلته فى الدرس، أو صديقته، وكان يصحبها شقيقتها الصغرى، حوالى سبع أو ثمانى سنوات، سار ثلاثتهم، أو وقفوا، فى شارعهم، المهم أن رجلاً ملتحياً كان يراقبهم، ولأسباب تخصه أخذته «غضبة» (لا أعرف كنهها ولا سببها)، تقدم مندفعاً إلى حيث يقف الفتى وزميلته وشقيقة الزميلة، وبكل صلافة وجّه سؤاله إلى الفتى «دى أختك»؟ رد الفتى: «لا».. عاود الرجل سؤاله بفظاظة: «تقرب» لك؟.. نفى الفتى، صبّ الرجل الملتحى لعناته، ودخل فى جدل مع الصبى، ثم حسم الأمر بأن أخرج سكيناً وطعن الصبى عدة طعنات، فى صدره وبطنه، سقط على أثرها مفارقاً الحياة فى عرض الطريق.
من المهم أن نشير إلى التوقيت الذى دارت فيه هذه الحادثة الدالة، وأنه كان يدور حول التاسعة مساء، يعنى عز الحركة فى أمسيات الصيف، فى شارع شعبى عمومى، لا يخلو من الحركة، وأن الصبى وزميلته وشقيقتها الطفلة كانوا فى قلب الشارع، لم يصدر عنهم أى شىء يتماس وأى معيار تريدونه. وفى هذا السياق خرج «القاتل» الذى منح نفسه سلطة الحكم والقضاء والتنفيذ، وطبّق ما رآه من حكم بشكل فورى، بل إن الجبروت قد بلغ به مبلغاً من الثقة، فقام بسحل جثة الصبى لمسافة سبعين متراً، ليلقى بها فى صندوق الزبالة.. وكما هو متوقع، عندما لم يعد الصبى إلى بيته، خرج أهله يبحثون فى المستشفيات وعلى الطرق، وأبلغوا الشرطة، إلى أن عثر عمال جمع القمامة بالصدفة على جثة لصبى توافقت مواصفاته ومواصفات جاءت فى بلاغ.. التحقيقات التى أجرتها النيابة وتم نشرها قدمت صورة لما هو أكثر وأخطر من ممارسات ما كنا نقرأ عنه وتقوم به هيئات لم تعد موجودة حتى فى السعودية.. هذا ليس حتى سلوكاً يقارب ما كان يسلكه أهل «الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر»، هذا إصدار أحكام وتنفيذها فى الميادين بثقة وثبات، «قاتل» لا يخشى حكم القانون، وأكاد أقول إنه لا يرى الدولة.. هذه ليست مجرد جريمة قتل، ولا أقوى على وضعها تحت عنوان جرائم العنف، هذه واقعة لم تكن لتحدث لولا «فراغة العين».
تجاوز أمر استخدام «الدين» كل حد، وبلغ مدى البلطجة باسم الدين على مرأى ومسمع من الجميع.. كنا نقرأ عمن يقص شعر السافرات، ومن يلقى بالمواد الحارقة على من يراهن متبرجات، اليوم مرحلة القتل! انتهت كل فواصل الأحقية فى سلوك شخصى لا يضير ولا يمس أحداً منذ فترات بعيدة، وصار الشارع مرتعاً لصنوف البلطجة بما فيها البلطجة باسم الدين. هذه الجريمة لم تقع فى تخوم بعيدة ولا كان توقيتها جوف الليل، بل هى ممارسة فى قلب شارع لحى من أحياء القاهرة «العاصمة».. السؤال عن البيئات الحاضنة للتطرف لا بد أن نضبطه ليصبح سؤالاً عن البيئات الحاضنة لإجرام باسم الدين، الذى يمارس بمنتهى الوضوح وعلناً، وربما بشعور أن أحداً لا يقوى على ردعه، وربما يستقر فى قناعته أن مناخاً عاماً أو جزءاً من المناخ العام يسانده ولو ضمناً.. التغاضى عن ممارسات أقل فى عنفها شجع ويشجع على تعاظم هذا التوجه، وإذا كان التعميم فخاً لا نرضاه، فإن النظر لما جرى فى هذه الواقعة لا بد أن يتجاوز كونه مجرد عنف إجرامى فردى يمكن أن يحدث فى أى مجتمع، إلى كونه كاشفاً عن مرحلة جديدة من الإرهاب باسم الدين، يتسلل ويتعاظم ويتحين الفرص لإحكام قبضته على حيوات الناس.. هل نعى ما يجرى؟ وهل نملك شبكة أو منظومة قانونية لإحكام البلطجة باسم الدين؟