الجنيه المصرى وقيمته الحقيقية
يتطلع المواطن باهتمام إلى الانخفاض المتوالى فى قيمة الدولار وارتفاع الجنيه المصرى -المجنى عليه- عسى أن يتحقق طموحه فى أن يؤدى هذا إلى انخفاض أسعار السلع الغذائية والسلع المعمرة، ولعل رغيف الخبز المنكمش فى الحجم يعود إلى سابق عهده الكبير المتعافى وبربع جنيه.. وهل تعود العملة الوطنية إلى سابق قوتها الشرائية؟
إن ما يدعم العملة الوطنية وبصورة حقيقية أمام الدولار الأمريكى هو وجود نهضة علمية وتكنولوجية، والاهتمام بالإنتاج الصناعى والزراعى (قاطرتى النمو الحقيقى) بما يؤهل للوقوف فى وجه المنافسة العالمية الضارية، ويعمل على دفع الإنتاج وزيادة الصادرات، والاهتمام أيضاً بجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية، ومضاعفة مواردنا من النقد الأجنبى عما هى عليه، وكذلك العمل على تحسين عائد صناعة السياحة، فعلى الرغم مما شهده قطاع السياحة من حالة انتعاش فى السنوات الأخيرة فإن السياحة ما زالت من مصادر الدخل التى يمكن أن تمثل جانباً من أهم موارد الدولة المصرية، إن السياحة المصرية تحتاج إلى طفرة كبيرة مثل دول كثيرة، منها فرنسا، وإسبانيا التى يزيد عدد السياح فيها على 40 مليون سائح، ومدينة دبى التى أصبحت الآن مزاراً للملايين من كل دول العالم.
إننى لا أتصور أن كل أخبار السياحة عندنا نراها فى اكتشاف مقبرة أو عدد من المومياوات! فالسياحة لم تعد التاريخ وحده، لأن هناك دولاً بلا تاريخ ولا آثار ولا مقابر ويزورها ملايين السياح.. نحن فى حاجة إلى فكر جديد، لدينا السياحة التاريخية، والثقافية، والدينية، ولدينا النيل، والصحارى، والجبال، وآلاف الأميال من الشواطئ، وكان نجاح تجربة شرم الشيخ أكبر دليل على أن سياحة الآثار لم تعد أفضل ما لدينا وما يمكن أن نقدمه للعالم.
وكل هذه العناصر تحتاج إلى جنيه مصرى واعد وجاذب، ولذلك يجب أن ندرس ما هى القيمة الحقيقية التى يجب أن يصل إليها الجنيه المصرى، والذى يشجع على الصادرات، ويكون جاذباً لتحويلات المصريين بالخارج، ويدعم السياحة، وبما يضمن عدم عودة السوق السوادء لتجارة العملة.
وعلى سبيل المثال قامت بعض الدول بتخفيض العملة من أجل الصادرات مثل سنغافورة، وتصل صادراتها إلى 250 مليار دولار أمريكى، وكذلك الهند، حيث تتعدى صادراتها 600 مليار دولار من تصميم البرامج، ومجال الكمبيوتر، وكذلك الصين، فإن عملتها رخيصة جداً، وبنجلاديش وغيرها.
ويجب أن نستنسخ هذه النماذج لكى يكون إنتاجنا تنافسياً مع الدول الأخرى، ويكسب السباق، وهو ما يستلزم المزيد من إصلاح أوضاعنا الاقتصادية وحل مشكلاتنا الصناعية والزراعية، والعمل على خفض معدل التضخم، وإيجاد موارد جديدة للدولة، بخلاف جيب المواطن المصرى، فما زلنا ننتظر الكثير من منطقة المشروعات الكبرى فى قناة السويس، حيث إن هذه المنطقة هى الأمل للصناعة المصرية، ومع أنفاق سيناء وما تشهده الآن من تنمية حقيقية يمكن أن تتحول إلى سلسلة من المراكز الصناعية والتجارية والخدمية، ومع المدن الجديدة فى الإسماعيلية والسويس وبورسعيد يمكن أن ينطلق الاقتصاد المصرى إلى آفاق جديدة..
إن الجهاز الإدارى للدولة المصرية بحاجة ماسة إلى رقابة قانونية رادعة وفعالة تخلصه من الفساد والمحسوبية، وإلى خطة عمل منهجية ترتقى به لمواكبة التطور العالمى فى شتى المجالات، وتنتقل به إلى آفاق من الجدية والإبداع والنهوض.
إن مصر دولة كبيرة وعليها أعباء ضخمة وتعانى من زيادة سكانية رهيبة ومشكلات مزمنة ولا بد أن تكون هناك رؤى تتناسب مع ضخامة المسئولية، وتحتاج مسيرة العمل إلى تغيير بعض الدماء، خاصة أن أمامنا فرصاً كبيرة لأن نلحق بالعصر فى كل المجالات، والمطلوب أن نعمل وأن نستثمر الوقت، وأن تكون لدينا القدرة على أن نفرق بين الفشل والنجاح، وأن نكافئ المصيب ونعاقب المقصِّر، وهكذا يتحقق التوازن المأمول والهدف المنشود.