يا قبر جايلك تكية.. خط الصعيد يرثي نفسه في معركة سلطان الدم الأخيرة

كتب: محمد بركات

يا قبر جايلك تكية.. خط الصعيد يرثي نفسه في معركة سلطان الدم الأخيرة

يا قبر جايلك تكية.. خط الصعيد يرثي نفسه في معركة سلطان الدم الأخيرة

فى عام 1914 شق طفل نحيل لم يتم عامه العاشر طريقه إلى مجاهل الجبل الغربى بأسيوط، كان رابط الجأش بحيث لم ينتفض قلبه رعبًا من عواء الذئاب في الطريق الطويل الوعر، حتى وصل أخيرًا إلى وجهته ضيفًا في مغارة على مطاريد الجبل و"ولاد الليل".

مرت سنوات قليلة، ومعها شب الطفل "محمد منصور"، صار فتيًا، ودان له الجبل بليله ومغاراته ومطاريده وغنائمه، وبات هو ملك الجبل و"خط الصعيد" الأشهر الذي انتهت أسطورته بـ21 رصاصة بعد أكثر من 30 عامًا من فرض سلطان الدم على محافظة أسيوط بأسرها، ليختفي إلى الأبد خلف جدران الصمت، لكن سيرته لم ترحل وظلت حاضرة على مدى السنوات، ليتناسل بعدها العشرات من المجرمين الذين طاب لهم أن يحملوا لقب الخط.

يوم الجمعة الماضي، وبطريقة مماثلة لمقتل الخط الأول، لقي يحيى كامل عبدالنعيم، وشهرته "تكية"، مصرعه بالرصاص بعد معركة مع الأمن.. في تلك الليلة خرج "تكية" مدججًا بسلاح آلي لمقابلة أحد عملائه من تجار المخدرات وتلقى الأمن معلومة خروجه وأعد كمينًا وقتله.

سيرة "تكية الأولى" جاءت مفعمة بالحماس، كان الشاب "يحيى كامل" مبهورًا بالأداء الإجرامي لـ"شعيب علم الدين" الأسطورة التي ملأت جنبات الصعيد رعبًا لسنوات، وكان أحد أشهر من حمل لقب "الخط".

وصفته إحدى الصحف الفرنسية بـ"روبين هود" والإذاعة الليبية بـ"حاكم الصعيد"، وكان يتابع أخبار فشل الأمن في ضبطه بشغف غريب حتى سلم الرجل نفسه، وشعر "يحيى" بالإحباط، لقد خذله ملهمه وأبوه الروحي.. كيف له أن يسلم نفسه طواعية للأمن، كيف رضى بالخضوع؟

"رصاصة فى القلب" افتتح بها يحيى الشهير بـ"تكية" سجله الإجرامي عندما أردى شاب قتيلًا في خصومة ثأرية، وسرعان ما عشق الرجل رائحة الدم، وفتن بسلطان الخوف الذي كان يزرعه في القلوب أينما حل أو ارتحل.

توالت جرائم "تكية" حتى نال لقب خط الصعيد، وأكثر من حمل اللقب وفاء لسيرة وعهد القتلة الأوائل في عمق الجنوب، حيث اتخذ من مقره بجزيرة شندويل في سوهاج منطلقًا لتنفيذ جرائمه التي بلغت ما يقرب من 180 جناية قتل وسطو وخطف منها 120 جريمة قتل وسرقة في الفترة من 2011 حتى عام 2016.

- غموض الرجل الشبح

مرت السنوات منذ احترف "تكية" جرائم القتل والسلب، محاطًا بهالة من الغموض، لا يوجد رأي قاطع بشأنه هناك من قال إنه مات، وآخرون قالوا إنهم شاهدوه ليلًا يتجول في الحقول، ورأي ثالث يقول إن الرجل الهارب من 300 سنة سجن قد هرب بعيدًا، وبين حياته وموته ازدادت اسطورة الرجل سطوة وتألقًا في ظلمات سماء أولاد الليل.

- يا قبر جايلك

"تكية" نهار الجمعة قطعت معلومة من مصدر سري للأمن الشك باليقين، حيث ذكر المصدر أنه شاهد "تكية" يتجول بسلاحه ليلًا على طريق فرعي بجزيرة شندويل في سوهاج، جرى إخطار الأمن العام، والذي أكدت تحرياته صحة المعلومة.

وتبين وجود المتهم يحيى تكية (52 سنة - عاطل)، والمسجل تحت رقم 30 فئة أ "تجارة أسلحة" بقرية القرامطة غرب، أثناء مروره على طريق فرعي بناحية مركز جزيرة شندويل لمقابلة أحد عملائه من تجار المخدرات

جرى الدفع بمجموعات قتالية، وعمل عدة أكمنة ثابتة ومتحركة بالمنطقة، لكن المتهم استشعر وجود القوات أثناء محاولته الهرب، فقام بمبادرتهم بإطلاق الأعيرة النارية مما دفع القوات لمبادلته إطلاق النار لمدة 30 دقيقة، كان "يحيى" يطلق الرصاص بغزارة وجنون وهو يصرخ بعد يأسه في الهرب "يا قبر جايلك تكية" حتى أصابته رصاصة لفظ إثرها أنفاسه الأخيرة.

- ذهول ودماء

جرى فحص مكان مصدر إطلاق النار وعثر على المتهم جثة هامدة، بها طلق ناري بالصدر وبجواره بندقية آلية، و3 خزن سلاح و98 طلقة حية من ذات العيار وكمية من الفوارغ، وبتفيش المتهم عثر معه على كمية كبيرة من المواد المخدرة "حشيش وأفيون"، لم يتبق من الرجل سوى نظرات ذاهلة، لعله لم يتوقع تلك النهاية، "قتيلًا في رقبته دماء عشرات القتلى".

وذكرت التحريات التى أشرف عليها اللواء علاء الدين سليم مساعد وزير الداخلية لقطاع الزمن العام وجرت بمعرفة اللواء عبد الحميد أبو موسى مدير مباحث سوهاج أن المتهم مطلوب القبض عليه لتنفيذ 3 أحكام مؤبد بإجمالى 75 سنة، ومطلوب التنفيذ عليه في 17 حكمًا و4 أحكام جزئية و2 حكم جنائي ومحكوم عليه في 5 قضايا جنائية (سرقات بالإكراه وتجارة سلاح)، ومحكوم عليه غيابيًا في 22 حكمًا قضائيًا ما بين الحبس لمدة سنة وثلاثة أشهر، ومطلوب ضبطه وإحضاره في القضية رقم 5500 جنايات قسم ثان سوهاج لسنة 2014 "سرقة بالإكراه"، وسابق اتهامه في 30 قضية متنوعة.


مواضيع متعلقة