«الدكتوراه».. على طريقة أبوبلاش كتر منه!

قفز إلى ذهنى مثل شعبى طريف «أبوبلاش كتر منه»، وأنا أتابع على الشاشة اسم الضيف مسبوقاً بلقب علمى رفيع، لم يحصل عليه أبداً، وفى نفس الوقت لم يمانع الضيف فى أن يقترن اسمه بدرجة علمية، دون كد ولا جهد وعلى طريقة أبوبلاش كتر منه! أتصور أن هدراً وإهداراً لفكرة «القيمة» يجرى ومنذ سنوات على مستوى الإعلام بصوره، وانتشر منه إلى الرأى العام، عندما صار توزيع الدرجات العلمية والألقاب المفترض أنها وليدة كد وجهد، وسنوات من التحصيل الجاد، بشكل فوضوى عشوائى لم يعد يستوقف أحداً، بحيث أصبح مهدداً حقيقياً لفكرة «القيمة العلمية» فى حد ذاتها.. دعنا من فكرة النزاهة والأمانة التى تقتضى من الشخص نفسه المبادرة إلى الى التصحيح والإشارة إلى أنه ليس حاصلاً على الدرجة العلمية، فليس هناك ما يمنع ويمنعه شخصياً من الاستحواذ على «قيمة» مهداة إليه «ببلاش»، وليس هناك فى المعايير الضمنية للمجتمع ما يحول دون فكرة الاستحواذ، ولا ما يردع المستحوذين على الأقل معنوياً، وإلا فنحن بحاجة لشرطة تتبع الجامعات والهيئات العلمية لمطاردة «دكاترة أبوبلاش»، لكن على الأقل يمكننا أن نطالب العاملين بالصحف والشاشات بقدر من الجهد والدقة قبل الإغداق على ضيوفهم بألقاب علمية رفيعة، حفاظاً على «القيمة» التى يعبثون بها دون إدراك ولا وعى، وهذا جزء أصيل من عملهم.

هل يمكن للزملاء الإعلاميين تصور حجم العمل والمكابدة والبذل الذى يقدمه الباحث الأصيل على مدى سنوات طويلة، ليقدم إضافة علمية تؤهله للحصول على درجة الدكتوراه؟ أنا هنا لا أتكلم عن «شهادات بير السلم»، وعفواً للتعبير، ففى بلدنا سوق للشهادات، مدفوعة الأجر، ولكن أتكلم عن الدرجات العلمية الحقيقية التى تأكل من عمر صاحبها زمناً ويدفع من صحة عقله وبدنه ما لا يُعوض؟ الحصول على درجة علمية رفيعة وحقيقية مجاهدة وقبض على جمر وحرمان وعزوف ورهبنة، الدكتوراه التى يتبرع الإعلاميون بإهدائها لضيوفهم ليست ورقة مختومة، ولا مما وصفه الفنان عادل إمام فى مسرحية مدرسة المشاغبين «لا يكيل بالبدنجان»، بل «إضافة معرفية أصيلة»، وراءها معايير، وعندما تختل المعايير بالذات فى مجالات العلم والمعرفة، فكأنك ساويت ما بين الذهب والألومنيوم، أو ما بين الذهب ونشارة الخشب، ينكشف غطاؤك العلمى، كما ينكشف الغطاء فى الاقتصاد، ويصبح رصيدك صفراً، تماماً كما لو كنت تطبع أوراق بنكنوت دون غطاء ذهب، وللأسف هذا ما يجرى.

«الدكتور» فلان.. والدكتور علان، لقب يتكسب من ورائه هؤلاء الذين يسطون على القيمة، فى البداية يُنسب اللقب مصحوباً بطلعة أو غزوة على الشاشة، ثم شيئاً فشيئاً يلازم اللقب الضيف، يمنحه الرونق الاجتماعى، وهو وشطارته بعد كده! يتحرك به ويكبّره ويوظّفه، ويتوسع الله أعلم إلى أى مدى.. على طريقة من لا يملك يمنح من لا يستحق، تُستباح القيمة العلمية فى بلدنا، هناك حالات عديدة، بالصدفة يكون أصحابها معلومين لك، خابرتهم وعايشتهم وربما عملت معهم، ولم تعرف عنهم لا صفة الباحث ولا الدكتور، ثم تفاجأ بإعادة الاكتشاف وبالألقاب المهدرة لقيمة العلم. وللأسف فإن الإعلام يتحمل مسئولية أو جانباً كبيراً من تلك المسئولية، فبعد الخبير الاستراتيجى، والكاتب الكبير، صارت الدكتوراه أكتر من الهم على القلب، والمشكلة الحقيقية أن هذه الآلية التى أرى فيها قدراً من التزييف المباشر الذى يهدر مكانة «العلم الأصيل» فى مجتمعنا تنتقل إلى أجيال جديدة، عندما يسعى الإعلام إلى تجديد التربة وتغيير الوجوه، يستمر فى هذا الغى بدلاً من تصحيح المسار، ويخلع ألقاب «أبوبلاش كتر منه» دون بذل أى جهد، وهذا انتقاص من كد وجهد آخرين أوقفوا عقوداً من حيواتهم ليصلوا إلى هذه الدرجة العلمية الرفيعة. الحفاظ على المعايير ليس ترفاً بأى حال من الأحوال، وجزء أساسى إن أردنا إصلاحاً أن يظل الذهب ذهباً، تتفاوت قراريطه، بالمعيار المتعارف عليه، فيكون فيه قيراط ٢٤ و٢٢ و١٨ و١٢، إلى أن يكون فيه «قشرة»، أما أن يتطوع الإعلام ويرش «الدكتوراه» على أى واحد بيتكلم ولابس بدلة فده كأنك تطبع بنكنوت وغطاؤك الاقتصادى «نشارة خشب»!!