إبراهيم حجازي يكتب: هي معركة.. سلاحها الوعي وجنودها الشعب!
إبراهيم حجازي يكتب: هي معركة.. سلاحها الوعي وجنودها الشعب!
الأسبوع الماضى كتبت عن الجهود الناجحة الهائلة لوزارة الهجرة فى إقامة جسور التواصل بين الوطن الأم مصر وأبنائها من الطيور المهاجرة فى دول العالم المختلفة.. وأشرت إلى نجاح السفيرة نبيلة مكرم، وزيرة الهجرة، فى الوصول إلى الأجيال الثانية والثالثة.. أبناء وأحفاد الأجيال الأولى المهاجرة، وإلى استهداف الأجيال الصغيرة الجديدة المهاجرة بالمبادرة العبقرية «اتكلم مصرى».. باعتبار لغة الوطن الأم أحد أهم مقومات الهوية المصرية وأحد أهم الروابط بالوطن الأم، وهى البند الأهم فى مشروعها.. لمّ الشمل المصرى فى كل أنحاء العالم!
مبادرة «اتكلم مصرى».. الموجهة لأجيال المهاجرين الجديدة هناك، فتحت ملفاً مسكوتاً عنه هنا من سنين، ألا وهو الخطر الداهم الذى فيه اللغة العربية هنا فى الوطن العربى كله.. نتيجة حملة تجريف هائلة للغة الوطن.. قائمة من زمان ومستمرة للآن، وباتت مسألة وقت وتصبح العربية -لا قدَّر الله- لغة تُسمع ولا تُكتب! اللغة العربية فى الوطن.. هى التى تحتاج إلى مبادرة عنوانها «اكتب عربى»!
أقول ذلك لأن لغة الوطن هى أمن قومى لهذا الوطن.. وليس مستغرباً أن تكون أحد أهم أهداف أى جهات خارجية معادية للوطن، وهذا هو الجزء الأهم غير المرئى فى الخطر الداهم الذى تواجهه لغتنا العربية.. لأن بقية الأجزاء هى خطايانا وكلنا شركاء فيها، والتكفير عنها وتصحيحها مقدور عليه وفى متناولنا!
الذى أقوله حقيقة وليس هواجس وهلاوس عن وجود نظرية المؤامرة! وبالمناسبة مَن ينكرون وجود نظرية المؤامرة علينا ويقولون إنه لا وجود أصلاً لأى مؤامرة، وإن الادعاء بذلك تبرير لأخطاء وتغطية على فشل.. لهؤلاء أقول: نظرية المؤامرة موجودة من أيام آدم وحواء! ألم تكن وسوسة الشيطان لهما وهما فى الجنة مؤامرة عليهما؟! ألم يكن إيعاز الشيطان لهما بالأكل من الشجرة التى حرّمها الله عليهما، ألم يكن عمل الشيطان هذا، أول مؤامرة على الإنسان؟ أليس ما حدث فى 1948 وتسليم فلسطين تسليم مفتاح للصهاينة مؤامرة؟ ألم تكن الهدنة التى طرحتها الدول الكبيرة مؤامرة لوقف الحرب التى مالت لمصلحة العرب، إلى أن يأتى الدعم العسكرى من أوروبا بقرابة الـ150 ألف مقاتل بعتادهم وسلاحهم، فى مواجهة أقل من عشرة آلاف عربى.. ألم تكن هذه مؤامرة خسيسة من الدول الكبيرة وقتها؟
ولماذا نذهب بعيداً.. الذى يحدث فى مصر ولمصر من 2011 وحتى الآن هو أكبر مؤامرة! وحياة برقيات هيلارى كلينتون المفرج عنها مؤخراً.. ما حدث ويحدث هو أم المؤامرات!
أعود للخطر الذى فيه اللغة العربية والذى بدأت ملامحه القادمة من الخارج من وقت لا أعلمه، لكن ما أعرفه واقعة خريج الجامعة الأمريكية.. الذى اكتشفنا عدم قدرته على الكتابة باللغة العربية وهو فى منطقة التجنيد لتأدية الخدمة العسكرية.. وهذه الحكاية كتبتها فى مقالى «خارج دائرة الضوء» بالأهرام يوم الجمعة 6 أبريل 2007 وهذا المقال تلقيت تعقيباً عليه من الملحق العسكرى بسفارة مصر فى تركيا وقتها اللواء أركان حرب ممدوح إمام.. موضحاً أن عدم قدرة الشاب المتخرج فى الجامعة الأمريكية على الكتابة باللغة العربية ليس كما يبدو مصادفة! اللواء ممدوح، بحكم عمله، تابع اجتماعاً لرؤساء الجامعات الأمريكية فى العالم، عُقد وقتها فى تركيا، ورصد كلمة رئيس الجامعة الأمريكية فى مصر وقتها.. وتأكيده فى كلمته على نجاح الجامعة بمصر فى تخريج طلبة لا يعرفون الكتابة بالعربية!
الفاكس الذى أرسله اللواء ممدوح إمام، الملحق العسكرى بسفارتنا فى أنقرة، نشرته بالكامل فى مقالى بالأهرام! رد الفعل الوحيد على هذا المقال كان إعفاء رئيس الجامعة الأمريكية بمصر من منصبه! وقتها لم نكن نعرف أن الحروب لها أجيال جديدة، وأنها معلنة علينا منذ فترة، وأن ضرب اللغة العربية أحد أهم أهدافها، وأن زلة لسان رئيس الجامعة الأمريكية كشفت المستور ولذلك أقالوه!
قد يقول قائل: وهى الدنيا هتنهدّ لأجل واحد متخرج من الجامعة ما بيعرفش يكتب عربى؟ وأقول أنا: «أيوه تنهد».. ومثلما أول أى طريق مهما طالت مسافته خطوة.. فإن أول مسمار فى نعش اللغة العربية يبدأ بخريج جامعة لا يعرف الكتابة بالعربية! والكارثة أفدح عندما يتم ذلك مع صفوة خريجى الجامعات الذين تتسابق المؤسسات والكيانات الكبيرة على تعيينهم.. ولنا أن نتصور فداحة الأمر.. وهذه الصفوة لا تكتب العربية! نظرية المؤامرة هنا تنحصر فى صناعة البدايات.. ومتى نجحت فى ذلك وأصبح هناك خريجون «لا خريج» لا يكتبون العربية.. خلاص التجربة نجحت. ونحن أفضل من يقلد دون أن يعرف.. وكلها كام سنة وتصبح الحكاية ظاهرة يتم تقليدها باعتبارها وجاهة اجتماعية!
طبيعى ألا يتركونا فى حالنا.. لكن غير الطبيعى أن نبتلع طُعْمَهم ونستسلم لهم! علينا إدراك أن نجاحهم فى التآمر ناجم عن غياب وعينا وانعدام تكاتفنا وكثرة خلافاتنا! هذه النقطة تحديداً.. الرئيس السيسى فى كل مناسبة يشير إليها وينبهنا لها، ويطالبنا بأقصى درجات الوعى والتلاقى والتفاهم والحوار.. حتى لا نسمح لقوى الشر أن تنال من تماسكنا!
التآمر الخارجى على اللغة العربية وضع أساسات الهدم وترك الباقى لنا نحن المصريين نقوم به.. والحقيقة أننا نفذنا المهمة على أكمل وجه!
فى تقديرى أن نظرية الهدم قائمة على ترسيخ النظرة الدونية للغة العربية.. «وهو ده» الطُعْم الذى قدموه وابتلعناه منذ إعلان الأجيال الجديدة من الحروب على مصر، عقاباً لها على حرب أكتوبر 1973، وكان أول بنود أجيال الحروب الجديدة اغتيال الرئيس السادات والملك فيصل رحمة الله عليهما.. وكان هدم اللغة العربية واحداً من البنود الأخرى لهذه الحروب!. وضعوا الأساس وتركونا «نِعَلِّى فى البنيان»!
تصورنا إلى أن اقتنعنا بأن تعلم اللغة الأجنبية هو غاية المراد من رب العباد! المهم اللغة الأجنبية «وتِوْلَع بجاز» اللغة العربية التى، دون أن ندرى أو نعى، أصبحت هى المادة التى يحب التلاميذ وأولياء أمورهم أن يكرهوها..!
منهج اللغة العربية فى المرحلة الابتدائية هو الذى صنع جدار كراهية اللغة العربية.. فى الابتدائى وحتى آخر العمر! ليه؟
لأننا أصبنا الصغار برعب اسمه النحو قبل أن يتمكنوا من القراءة والكتابة! اللغة الإنجليزية فى الابتدائى بالمدارس الأمريكية عبارة عن مجموعة قصص.. يعنى مجموعة حكايات الهدف الوحيد منها تعرُّف الطفل على أكبر عدد من الكلمات التى تكوِّن حصيلته اللغوية! الطفل سعيد جداً ومتشوق جداً للقصة أو الحكاية التى يتعلم كتابتها وقراءتها! الطفل يصل رابعة ابتدائى وهو يجيد اللغة الإنجليزية كتابة وقراءة ويعرف حصيلة كلمات كثيرة لم يكن يعرفها! قواعد اللغة والأفعال وتصريفها يبدأ فى تعلمها فيما بعد.. والوقت أمامه مُتسِع فى الإعدادى والثانوى!
اقتراحى.. تأجيل تدريس النحو «واخواته» إلى ما بعد إتقان الطفل قراءة وكتابة وحب اللغة العربية!
الطبيعى والمنطقى أن المرحلة الابتدائية.. ثلثا الوقت فيها للأنشطة التربوية، والتربية البدنية أهمها.. والثلث المتبقى للعملية التعليمية التى لن تنهد الدنيا إن قصرناها فى سنوات الابتدائى على تعلم مبادئ الحساب والقراءة والكتابة للغة العربية ولغة أجنبية!
النقطة الأهم فى هذه المرحلة السنية أن يشعر الطفل بأهمية تعلمه القراءة والكتابة بالعربية.. وهذا لن يحدث إلا باهتمام واحترام الأب والأم للغة العربية، وهذا للأسف لا يحدث.. لأن الأم تتباهى بطفلها الذى يقول كلمات بالإنجليزية دون ذرة اهتمام إن كان يعرف كتابة هذه الكلمات بالعربية! الطفل من نعومة أظافره.. النحو يصده عن العربية، والأب والأم ليس على بالهما العربية.. فكيف له أن يحب العربية؟
هذا الطفل أصبح شاباً ورأى الكبار وهم يتكلمون كلمتين عربى وخمسة أجنبى.. إلى أن أصبح الأمر مرتبطاً بالتحضر والوجاهة الاجتماعية.. وأكبر دليل!
الإعلانات فى الشوارع، بل وفى الصحف، باللغة الأجنبية.. رغم أنها تستهدف المصريين.. وليس الأجانب المقيمين!
ولماذا نذهب بعيداً؟! بنوك وشركات كبيرة تعمل فى مصر ومقيمة فى مصر.. وكل مكاتباتها باللغة الأجنبية!
ليست هذه دعوة لعدم تعلم اللغات الأجنبية، وأتمنى أن يتعلم كل طفل وشاب أكثر من لغة، وأهمها اللغة العربية.. لأنها لغة الوطن والأمة! اللغة العربية ليست مجرد صوت نسمعه أو حروف نكتبها.. إنما هى عنوان هويتنا، وأصل من أصولها، وأهم قوام انتمائنا ووطنيتنا ومصريتنا وعروبتنا!
المشكلة التى وصلنا إليها الآن ليست الكلام بالعربية.. لأن الغالبية العظمى ما زالت تتكلم العربية!
المشكلة أن غالبية الأجيال الجديدة لا تعرف الكتابة بالعربية وعدم القدرة على قراءة ما هو باللغة العربية! المشكلة بدأت مبكراً من المرحلة الابتدائية.. من يوم إلغاء كراسة الخط وحصة الخط! الكراسة والحصة لتعليم الطفل قواعد كتابة الحروف التى فوق السطر والتى تحت السطر والتى على السطر.. تم إلغاء الكراسة والحصة.. فقضينا على القاعدة الأساسية للكتابة! السيد وزير التعليم أعاد حصة الخط وكراسة الخط للمرحلة الابتدائية فى الحرب التى يخوضها لإصلاح التعليم! جهات معنية عديدة عليها أن تراجع هوجة طمس العربية واستخدام اللغة الأجنبية فى إعلاناتنا وأسماء شركاتنا وفى أغلب حواراتنا! دون أن نعى.. طغت على عقولنا النظرة الدونية للغة العربية! دون أن ندرك أصبحنا أكبر عدو للغة العربية.. والشريك الأكبر فى طمس اللغة العربية!
هى معركة نحن لها.. الوعى سلاحها والشعب جنودها!
الوعى بأن طمس معالم اللغة العربية أحد أهم أهداف الأجيال الجديدة للحروب! الوعى بأنه لا وجود للهوية ولا مكان للانتماء إن غَرُبَت شمس اللغة العربية! الوعى بأننا إحنا الشعب شركاء فى صناعة هذه الأزمة، ولا بد أن نتكاتف إلى أن تعود اللغة العربية إلى مكانها ومكانتها! الوعى -كل الوعى- بأننا نقدر! وحياة حرب أكتوبر نقدر.. وحياة 30 يونيو نقدر.. وحياة الست سنوات التى صنعنا فيها معجزات.. نقدر!