مائة عام من «النصب الحنون»

كلما تعرّض العالم لأزمة صحية كبيرة، مثل الأمراض الوبائية، تذكرت على الفور مسرحية «كينوك.. أو انتصار الطب» التى ألفها الأديب الفرنسى الكبير «جيل رومان» عام 1923 وترجمها إلى العربية أديبنا المصرى الكبير يحيى حقى. والمسرحية تدور حول طبيب اسمه «بارباليد» يعيش مع زوجته فى قرية فرنسية هادئة، ويقضى وقته فى التسلية مع أصدقائه والنزهة والاستمتاع بالطبيعة الخلابة، وقد ظل «بارباليد» يعالج المرضى بعيادته فى هذه القرية لأكثر من ربع قرن دون أن يحقق أى ثروة أو يجدد سيارته المتهالكة، ليس لأنه طبيب فاشل أو عديم الكفاءة، ولكن لأنه كان يؤمن بأن دور الطبيب هو أن يهوِّن على المرضى خوفهم «ويصف لهم أبسط الأدوية وأرخصها ويدعوهم إلى الثقة بقدرة الجسم على المقاومة الذاتية»، وكانت النتيجة أن سكان القرية أنفسهم لم يأخذوا الدكتور «بارباليد» على محمل الجد، لأنه كان فى تسعين بالمائة من الحالات يصرف المريض بقوله: «عارض تافه» وستكون من غد فى أتم صحة وعافية.

وجاء اليوم الذى قرر فيه «بارباليد» أن يبيع عيادته وسيارته وينتقل للعيش والعمل فى مدينة ليون الفرنسية، ولأنه كان يعرف فى قرارة نفسه أن دخل عيادته لا يمكن أن يُغرى أحداً بشرائها فقد قرر أن يبيعها بالتقسيط، وما إن نشر الإعلان حتى تقدم طبيب اسمه «كينوك» لشرائها، ومن اليوم الأول راح يمارس طريقته فى الطب والعلاج التى تختلف اختلافاً جذرياً عن طريقة سلفه. وهو نفسه يشرح فلسفته للدكتور بارباليد بقوله: «الأصحاء هم فى الحقيقة مرضى غافلون.. وفى اعتقادى أن واجبنا يتلخص فى كلمتين: أن نعمل على استبقاء المريض وألا يصرفنا عن ذلك أى إغراء».

ويبدأ «كينوك» خطته الطبية الجبارة والبسيطة فى آن واحد: يستدعى صيدلى القرية الذى كان حانقاً على الدكتور «بارباليد» لأنه تسبّب فى كساد الأدوية بالصيدلية.. ويطلب منه أن يزود صيدليته بأصناف جديدة غالية الثمن.. ثم يستأجر منادى القرية ويكلفه بالطواف فى شوارعها للإعلان عن أن الدكتور «كينوك» قرر تخصيص يوم الاثنين من كل أسبوع -وهو يوم السوق فى القرية- للكشف المجانى على الجميع، والأهم من ذلك أنه التقى مع مدير المدرسة الوحيدة بالقرية وراح يسأله عن جدول أو مواعيد محاضرات الإرشاد الصحى للتلاميذ وأسرهم، وعندما أخبره الرجل أنه لا يوجد لديهم شىء من هذا الإرشاد ولم يسبق للدكتور «بارباليد» أن تحدّث معه فى أمر كهذا، أبدى «كينوك» أسفه الشديد وحسرته على أبناء هذا البلد الذين لم يبصِّرهم أحد بوسائل العلاج والوقاية من الأمراض.. «إننى أراهن أنهم يشربون الماء دون أن يشغل بالهم أن فى كل جرعة بلايين البلايين من البكتيريا». ثم يطلب الدكتور الجديد من مدير المدرسة أن يساعده فى نشر الوعى الصحى بقوله: «إننى أستطيع وحدى أن أعالج المرضى، ولكن المرض ذاته مَن الذى يعيننى على محاربته، مَن ذا الذى يبصِّر إخواننا المساكين هنا بالخطر الذى يهدد أبدانهم فى كل لحظة، ومَن ذا الذى يعلمهم أنه لا ينبغى تأجيل طلب الطبيب إلى حين طلوع الروح؟».

وخلال أسابيع قليلة يبدأ توافد الأهالى بالعشرات والمئات على عيادة الدكتور «كينوك» للكشف المجانى.. ونشاهدهم وهم يدخلون العيادة أصحاء، ويخرجون منها مؤمنين بأنهم مرضى. كما نشاهد صيدلى القرية وقد انتقل من الفقر إلى الثراء، وفندق القرية الذى كان مهجوراً بدأت تتوافد عليه حشود من القرى المجاورة للإقامة فيه انتظاراً لدورهم فى العلاج عند الدكتور «كينوك»، الذى نعرف منذ بداية المسرحية، وباعترافه، أنه لم يدرس الطب من الأساس ولم يحصل على أى شهادة تؤهله للعمل طبيباً، ولكنه تخلى عن دراسة الآداب قبل عشرين عاماً واشتغل بائعاً فى محل «كرافتات» ثم قرأ إعلاناً يطلب مشرفاً صحياً على سفينة مسافرة إلى الهند ولا يشترط الإعلان أن يكون المتقدم حاصلاً على شهادة فى الطب، فتقدم للوظيفة، وعندما تم اختياره اشترط على قباطنة السفينة شرطاً وحيداً هو أن يتعاملوا معه أمام طاقم السفينة على أنه طبيب وألا يناديه أحد أو ينطق أحد باسمه إلا مسبوقاً بكلمة «دكتور».

وعلى الرغم من أن الدكتور «بارباليد» نفسه -صاحب العيادة الأصلى- كان يعرف أيضاً أن معلومات الدكتور «كينوك» عن الطب لا تزيد عن قراءة نشرات الأدوية ومتابعة ما تنشره الأبواب الطبية فى الصحف من أعراض وأدوية للأمراض، فقد عاد «بارباليد» بعد ثلاثة أشهر ليتقاضى القسط الأول من ثمن عيادته وسيارته، فإذا به لا يجد غرفة خالية فى فندق القرية، وإذا بالأصحاء الذين كان يعرفهم جيداً قد تحولوا إلى مرضى ينتظرون دورهم فى طلب العلاج من الدكتور «كينوك».. ولا تنتهى المسرحية قبل أن يقتنع الدكتور «بارباليد» بقدرات «كينوك» المذهلة، بل وانتظار دوره كمريض للكشف والتماس العلاج عند هذا الدكتور النصاب!

شىء من هذا التدليس العالمى ما زال يحدث بعد مرور حوالى مائة عام على نشر وتمثيل مسرحية «كينوك» التى كانت سبباً فى ذيوع اسم «جيل رومان».. والحقيقة أننى تذكرتها بمجرد أن قرأت تصريحات الأمين العام للأمم المتحدة وكبار المسئولين بمنظمة الصحة العالمية عن عدالة توزيع لقاح كوفيد 19 على دول العالم الثالث بأسعار معقولة.. وهى تصريحات لا تقل براعة فى الحقيقة عن الطريقة التى لجأ إليها «كينوك» لإقناع الأصحاء بأنهم مرضى غافلون.. فقد قفز هؤلاء الكبار من النقاش حول أمان اللقاحات الذى ما زال فى بدايته، وارتدوا مسوح القديسين وراحوا يدافعون عن حق فقراء العالم فى الحصول على اللقاح بسعر معتدل، وما علينا الآن إلا أن نشكرهم على هذا الحنان المفاجئ وأن نصطف فى طوابير انتظاراً لهذه اللقاحات ونحن نلهج بالدعاء لهم!.