بين عامين.. دعونا نتذكر اللاجئين (1)
«وبعد أن فرغ طائر البلشون المفترس من جميع الأسماك فى البحيرة، نظر إلى سرطان البحر وسأله: ألا تريد أن تُنقَذ أنت الآخر كمثلهم؟ قال سرطان البحر: «بلى! بالتأكيد أريد»، ثم قفز السرطان على ظهر طائر البلشون.. طار بهم البلشون مسافات طويلة لزمن طال عليهم، لكن لم يكن من أثر أمامهم للبحيرة الجميلة التى وُعدوا، ثم مروا على قمة جبل، فرأى سرطان البحر من على ظهر البلشون ما تبقى من هياكل أصدقائه من السمك.. لقد أكلهم جميعاً البلشون الطماع!».
مقطع نصى من فيلم «سفر» الإيرانى (إنتاج 2016)
فى فيلم «سفر»، نخوض رحلة شديدة القسوة مع مجموعة من المهاجرين غير الشرعيين آتين من أفغانستان وباكستان والعراق وإيران، ودَّعوا عائلاتهم بعد أن باعوا الغالى والنفيس حالمين بأن ترسو أحلامهم على شواطئ أستراليا.
من بين مجموعة المهاجرين امرأة شابة حسناء وصغيرها، هى التى تحكى للصغير ذاك المقطع عن الطائر المفترس الطماع والأسماك وسرطان البحر، وهو المقطع الصوتى الذى يُختتم به الفيلم بعد أن تغرق سفينة الهجرة غير الشرعية، وينجو الصغير دون أمه التى لم يبقَ منها إلا الحكايات.
استرجعت مؤخراً أحداث الفيلم المؤلم، الذى كنت قد شاهدته قبل سنوات من الآن وانفعلت بتفاصيل الرحلة فيه حتى إنى كدت أفقد القدرة على التنفس مع كل مهاجر يضربه الموج، ورحت أقلب فى صفحات موقع «مهاجر نيوز»، وهو موقع يقدم خدمة متخصصة تعمل بجهد مشترك بين جهات إخبارية أوروبية عدة من بينها «دويتش فيله» و«فرانس 24».. الحقيقة أن تصفح «مهاجر نيوز» يقلّب الكثير من الأوجاع المتعلقة بملف الهجرة غير الشرعية، وملف اللجوء من شرق وجنوب المتوسط إلى شماله، ومن قلب أفريقيا السمراء المنهكة إلى شمالها ثم إلى أمواج المتوسط على أمل ملاقاة الشاطئ الآخر للقارة البيضاء العجوز التى فيما يبدو لم تعد تعرف كيف تصرف أحوالها مع موجات النزوح واللجوء غير المسبوقة فى العامين الماضيين. ناهيك عن الفيروس الشرير الذى أتى على غير موعد وبغير تحسب فضرب خطط الجميع فى القلب وأربك حسابات الدول والجماعات والمهاجرين واللاجئين والإرهابيين والإغاثيين على حد السواء!
قبل سنوات، وتحديداً فى عام 2008، كنت أكتب رسالتى لنيل درجة الماجستير فى موضوع الأجيال الجديدة من المهاجرين فى أوروبا، وكنت آنذاك أدرس اغترابهم، وأزمة هويتهم، وكيف تعامل هؤلاء ممن وُلدوا وتعلموا فى أوروبا مع المؤسسات الأوروبية، وكيف شعروا إزاء المجتمعات التى احتضنت عائلاتهم وقد وفدوا كعمالة مهاجرة فى منتصف القرن العشرين، كما كنت أتابع الفارق بين إدراكهم لبلاد عائلاتهم الأصلية (سواء من شمال أفريقيا أو جنوب آسيا) وبين إدراك عائلاتهم أنفسهم ممن هاجروا بحقائب الذكريات والأيام القديمة، والذين يجيدون بعدُ لغاتهم الأم بخلاف الصغار أبناء الهوية المزدوجة.
كنت أرى الصورة مربكة والوضع ثقيل الوطأ، بينما أحاول أن أتتبع الجهود التى تبذلها القارة العجوز لإدماج هؤلاء الشباب أكثر فى مجتمعاتهم، وكيفية تطويع الأوروبيين أنفسهم وجداناً وعقلاً على تقبلهم ونبذ ما كان بالفعل يدور فى هواء القارة من إسلاموفوبيا أو -على أحسن الظن- من أسئلة كبرى لا تخلو من اتهامات ضمنية حول تلك العقيدة وما يمكن أن تفعله بالفضاء العام الأوروبى.. يتبع.