منظمة غاز المتوسط: حلمنا يتحقق
لم يشأ عام 2020 أن ينقضى دون أن يتحقق حلم مصرى سعت إليه القيادة السياسية ووضعته نصب أعينها منذ عام 2014، لم يكن تحقيق هذا الحلم سهلاً وإنما تم فى ظل بيئة دولية وإقليمية ضاغطة وعبر عمل طويل وشاق ومنظم وجهود رئاسية ودبلوماسية شهدت لها كل دول المنطقة، فعندما اجتمعت سبع دول متوسطية فى الرابع عشر من يناير 2019، أُعلن وقتها عن إنشاء «منتدى غاز شرق المتوسط»، ومقره القاهرة التى استضافت الاجتماع حينها، وذلك بهدف تنسيق السياسات الخاصة باستغلال الغاز الطبيعى بما يحقق المصالح المشتركة لدول المنطقة بهدف تأمين احتياجاتها من الطاقة لصالح رفاهية شعوبها، وتسريع عملية الاستفادة من الاحتياطيات الحالية والمستقبلية من الغاز بتلك الدول، وصولاً إلى تأسيس منظمة دولية تحترم حقوق الأعضاء فى مواردها الطبيعية بما يتفق ومبادئ القانون الدولى.
وقتها بدا حلماً أن يتحول هذا التجمع سريعاً إلى منظمة دولية حكومية لها ما لها من امتيازات المنظمات الدولية وحضورها وقوة تأثيرها ورسمية تمثيلها فى المحافل الدولية، لكن ما بدا أنه حلم تحول قبل مرور عامين إلى واقع، وذلك بفضل إصرار وقوة إرادة القيادة السياسية المصرية وبقية الأطراف الفاعلة فى هذا التجمع على التغلب على كافة الصعاب التى كان يمكن أن تقف حجر عثرة فى سبيل تحقيق هذا الهدف الحلم، ففى الثانى والعشرين من سبتمبر الماضى وقَّع وزير البترول والثروة المعدنية المصرى طارق الملا على ميثاق هذه المنظمة الوليدة مع أعضائها من قبرص واليونان وإيطاليا والأردن والسلطة الفلسطينية وإسرائيل على أن تكون القاهرة مقراً لها نظراً لخبرتها الكبيرة فى مجال الغاز الطبيعى وبنيتها التحتية المتميزة وثقلها السياسى الكبير وسعيها الدؤوب للتحول إلى مركز إقليمى وطريق رئيسى لتجارة الغاز، وهو ما أصبح خياراً استراتيجياً للدولة المصرية لا رجعة عنه ولا سماح بوجود منافس فيه.
تمثل هذه الخطوة الضخمة نقلة نوعية فى مجال التجارة الدولية للغاز الطبيعى والاستثمار فيه، وخطوة هائلة ومحورية فى تحقيق حلم مصر فى التحول إلى مركز إقليمى لتجارة الغاز الطبيعى، لما ستجنيه من عائد نظير تحويلها الغاز الطبيعى لبقية الدول المشاركة فى المنتدى، ومع الوقت تحويل الغازين اللبنانى والسورى أيضاً، إلى غاز طبيعى مسال وإعادة تصديره بجانب الغاز المسال المصرى إما إلى أوروبا أو آسيا- المحيط الهادئ، حيث يزداد الطلب على الغاز الطبيعى المسال بوتيرة سريعة، فى المقابل يمكن أن يمثل إنشاء هذه المنظمة نهاية رسمية لحلم تركيا فى أن تكون مركزاً للطاقة، وهو الأمر الذى سعت إليه طويلاً استغلالاً لموقعها الاستراتيجى الذى حاولت من خلاله تعويض فقر موارد الطاقة، بوقوعها عند مفترق الطرق بين جمهوريات الاتحاد السوفيتى السابق ودول الشرق الأوسط الغنية بالنفط والغاز، والدول الأوروبية التى تحتاج إلى إمدادات النفط والغاز، والخلاصة هنا أنه بإنشاء هذه المنظمة واستضافة القاهرة لها فإن حلماً مصرياً يتحقق وآخر تركياً يتبخر، حيث تمثل هذه الخطوة حسماً للتنافس بين جيران كنز الغاز الطبيعى الأكبر فى العالم بمنطقة شرقى البحر المتوسط، وإجهاضاً لأحلام تركيا التى خططت وسعت منذ سنوات إلى الهيمنة على سوق الطاقة فى هذه المنطقة، ومحاولة الاستيلاء على ثرواتها عبر عمليات تنقيب غير شرعية بغية التحول إلى مركز إقليمى لتجارة الغاز الطبيعى، لكن مصر كانت دائماً سابقة بخطوات فى إطار سعيها لتحقيق الاكتفاء الذاتى من الغاز ثم التحول إلى تصديره وانتهاء بالتحول إلى مركز إقليمى لتجارة الغاز عبر أراضيها، فى ظل تنافس شديد مع تركيا التى أزعجتها التحركات المصرية الواعية والمحسوبة فى هذا الصدد، واستمر الأمر سجالاً بين الدولتين إلى أن تمكنت مصر من قلب المعادلة بعد اكتشاف حقل «ظهر» العملاق، وبدء الإنتاج منه بشكل مبكر عما كان مخططاً له، ثم اكتشاف حقل «نور» البحرى العملاق، الذى أضاف عنصراً جديداً إلى المشهد باحتوائه على نحو 60 تريليون متر مكعب من احتياطى الغاز وفقاً للتقديرات المبدئية، وهو ما يُعد أكثر من ضعف الاحتياطى لحقل ظهر البالغ 30 تريليون قدم مكعب، الأمر الذى أربك الحسابات التركية.
ولعل ما أضفى زخماً وأضاف قوة لهذه المنظمة الوليدة هو انضمام دولة الإمارات العربية المتحدة إليها بصفة مراقب، لما لها من مكانة دولية وإقليمية كبيرة بسوق الطاقة العالمية، ولما تحتفظ به من علاقات وطيدة مع كافة الدول أعضاء المنظمة بما سيسهم فى تحقيق الهدف الأساسى منها.
وتبقى هناك أفكار كثيرة يمكن بلورتها لكى يخرج هذا الكيان فى أفضل صورة ممكنة تضمن بقاءه واستمراريته وفاعليته وتأثيره فى سوق الغاز الدولية، وهنا لا بد من العمل فوراً على بلورة تصورات خلاقة حول هيكل المنظمة وأجهزتها الرئيسية وآلية اتخاذ القرارات فيها بما يمكنها من أن تفرض نفسها رقماً صعباً فى سوق الطاقة الدولية، وبما يقطع الطريق أمام محاولات أطراف إقليمية مثل تركيا وقطر وإيران وقوى دولية مثل روسيا فى التحكم فى تفاعلات هذه السوق أو التلاعب بها، فى وقت طغى فيه الاقتصاد على السياسة، وأصبحت خطوط الغاز هى التى تحدد خريطة التحالفات وطبيعة التفاعلات فى الساحتين الإقليمية والدولية.