بين عامين.. دعونا نتذكر اللاجئين (2)
الآن، مع متابعة ما حلّ بالمشهد الأوروبى وملف اللاجئين والمهاجرين بالقارة العجوز من تطورات سريعة ملاحقة خلال العقد الأخير (منذ اندلاع الربيع العربى)، أجد أنى كنت مترفة جداً، بينما كنت أدرس برامج الإدماج الأوروبية فى مطلع الألفية! فالوضع الآن أكثر إيلاماً بما لا يُقاس، والحسابات أعقد، والمشهد الذى كان يُحسبُ فيه -اقتصادياً- حساب الندرة النسبية للموارد، -وأمنياً- حساب «التنظيمات» الراديكالية، أصبح يُحسب فيه حساب تداعيات الكورونا المميتة على الاقتصاد (ناهيك عن حسبة قطاع الصحة التى أذهبت عقول القادة والأطباء وطواقم التمريض معا!) كما أصبح يحسب فيها حساب الذئاب الشريدة أو المنفردة، وهم أولئك الثأريون الذى ينفذون عمليات إرهابية دون غطاء تنظيمى، وببواعث فردية هى مزاج بين النفسى والفلسفى يصعب تتبعها! أضف لذلك ما «بشّرت» به داعش وما بات يُعرف فى عالم التنظيمات المسلحة بـ«الخلايا التمساحية» وهى الخلايا النائمة، أو المختبئة بفكيها العملاقين تحت سطح الماء، بينما تراقب بعينيها المتربصتين الأوضاع فى انتظار اللحظة الملائمة للقنص.
زد على هذا وذاك، وما أثقلنى أكثر ودعانى لمراجعة فيلم «سفر» واسترجاع الحكاية الموجعة من أولها مرة أخرى، ما طرأ على حياتنا من ثورة رقمية مكثفة، جعلتنا نتابع شهادات اللاجئين والمهاجرين المتسللين بأصواتهم، وصورهم، ومقاطعهم المرئية، نرى معهم ما رأوا من تفاصيل الرحلة القاسية، ونعايش ما عايشوا، وتضربنا معهم الأمواج، نستغرب من إصرار من كاد أن يغرق منهم على أن يعاود الكرة، ونتعاطف مع الفارين من بينهم من جحيم الجماعات المسلحة والمواجهات التى لا ناقة لهم فيها ولا جمل!
ومن بين الشهادات الحية، أذكر حكاية الفتى السورى الذى حاول الفرار عبر الحدود التركية صوب اليونان، والذى تحدث فى شهادته عن النساء الطيبات فى القرى اللاتى كن يجهزن له فطير الجبن وهو على الطريق، أو يسمحن له بالتمدد فى الحديقة والتقاط ثمار التفاح، وهكذا حتى أعيد بقوة الأمن إلى حيث أتى.
«.. كل ليلة أتذكر تلك الرحلة، وأتخيل صور الأمكنة التى مررت بها. أعرف البيوت التى نزلت بها والقطع العسكرية التى مررت بها جيداً. أذكر وجوه الناس الذين قابلتهم وأشكرهم لما قدموه لى من دعم ومساعدة».
الحكاية الأخرى التى استوقفتنى، هى حكاية المهندس والنحات السورى الذى نجا من قسوة رحلة الهجرة إلى الشمال، تحديداً إلى ألمانيا، ليبدأ رحلة السعى لعرض أعماله التشكيلية ومنحوتاته وينجح فى مسعاه هذا، واضعاً لمسة جمال على أطراف قصته.
لكن تظل الأكبر أثراً فى نفسى، حكاية تلك اللاجئة العربية لليونان، التى تخطو نحو خريف العمر، وفى رقبتها ثمانية من الأبناء والأحفاد، وتحمل فوق رأسها تركة ثقيلة من ذكريات السجن والتعذيب المؤلمة، التى برغم الألم والذكريات تصر على أن تكمل المسير بالصغار الكثيرين المتعلقين فى رقبتها، دون تنازلات، حتى وإن اضطرت واضطروا لجمع قنانى البلاستيك وبيعها مقابل سنتات زهيدة، كى يكملوا رحلة التعليم ويصلوا جميعاً لبر الأمان..
فى هذه الأيام بين عامين، وبينما ننظر على العام الفائت الذى لم يكن رحيماً بالجميع، ونتطلع لما هو آتٍ عاشمين فى اللطائف الخفية للأقدار، دعونا نتذكر اللاجئين الفارين من قسوة السلاح إلى قسوة البرد والجائحة وإجراءات التوطين، ونرسل لهم بعض أفكارنا الطيبة وبعض صلواتنا والدعاء.