عن بقايا غضبنا الجميل
فى عام 2006، وبينما أنقح اقتراح رسالة الماجستير التى كنت أعدها آنذاك بجامعة «جالواى» الأيرلندية حول مفهوم الجهاد فى العلاقات الدولية المعاصرة، دلفت إلى غرفة البروفيسور، الذى أشرف على إعداد رسالتى فى تلك الفترة، وقد كان رجلاً ملوناً من جنوب أفريقيا، فدعانى للجلوس بابتسامة، ثم قال بعد دردشة سريعة تعرف خلالها على خلفيتى ونشأتى: لن تكون مشكلتك غالباً فى قراءة المادة الخاصة بالموضوع وترجمتها لتقيمى بها بناء أكاديمياً متماسكاً، بل ستكون مشكلتك الكبرى أن تنزعى من قلبك العاطفة الدينية قبل أن تدرسى مفهوماً إسلامياً بأقل قدر ممكن من الانفعال والغضب، بعدك صغيرة والتحدى كبير، لكن عليك أن تبدئى فى التدرب على هذا.. أربكنى حديثه وقتها، وربما لو كنت تلقيت هذا الخطاب فى عمرى ذاك من رجل أبيض، ربما كنتُ انفعلتُ، أو فتشت بغضب عن إشارة عنصرية خفية ما، وقد كانت بداخلى حساسية كبيرة من كونى مسلمة تجوب أوروبا لدراسة الإنسانيات والمفاهيم الإسلامية فى عالم ما بعد الحادى عشر من سبتمبر (وقد علقت فى رقبتها عمداً سلسلة فضية كبيرة كتب عليها لفظ الجلالة وكأنما تشهر هويتها متحدية الجميع)!
لكن حديث الرجل على أى حال كان درساً أنيقاً ومكثفاً، بدأتُ فى تأمله وتعلمه يومها (قبل عقد ونصف من الزمان) ولا أظننى قد وصلت لخواتيم الحكاية بعد! فالظواهر تزداد تعقيداً، والأسئلة تكبر معنا كلما كبرنا، والإجابات تصير قلقة، والغضب الذى نظنه يخفت بداخلنا مع حكمة انتصاف العمر، يُطل برأسه أحياناً ليذكرنا بانفعالاتنا القديمة، وثورات أيامنا السابقة، وبقايا ما علق بعقولنا وقلوبنا من غضب المراهقين الذى لا يخلو من براءة وجمال.. فى ذلك العام كتبت عن الجهاد المسلح، والجهاد المدنى، والجهاد الإلكترونى، ولم يكن الأخير مألوفاً كثيراً أيامها...اليوم، حين أراقب الحروب الرقمية الدائرة، (وكان من أكثرها إثارة للشغف المواجهات بين الشرطة الرقمية الأوروبية وكتائب داعش الإلكترونية فى الأعوام القليلة الماضية) أقول فى نفسى: كم تكبر الظواهر وتتعقد، تماماً كما نكبر، وما كنا نكتب عنه قبل أعوام مستكشفين مفتتحين حذرين، صرنا نلهث اليوم لنلملم أطرافه ونقف على خفايا باطنه.. تأكد لى الأمر مؤخراً أيضاً، وقد استهوانى البحث فى مجال سيكولوجيا الجماعات المغلقة ومن بينها التنظيمات المسلحة فى المنطقة، فوجدت عالماً فسيحاً من الأسئلة المعلقة بلا إجابات شافية، والنظريات، والأفكار، وأطنان من الحكايات المحيرة والمؤلمة لأفراد لم يروا إلا أنفسهم، لكنك حين تجمع القصاصات إلى جانب بعضها البعض تدرك أن الحكاية مترامية الأطراف، وأن ماكينة التجنيد فى التنظيمات على اختلافها تختطف الشباب بمخططات نفسية وعصبية مدروسة وطويلة الأمد والبال، وأن فى بيئة مجتمعاتنا من العوامل الثقافية الموروثة، والعوامل الاقتصادية والنفسية الجمعية ما يجعل آلة التجنيد، تلك الناعمة والقاسية فى آن، تعمل بكفاءة فتحصد العقول والقلوب وتعلقها بالأحلام الغضة والكلمات السماوية، مستغلة بالأساس «غضب المراهقين الجميل» الذى كاد يحركنى قبل أعوام بينما أتحدث للبروفيسور الملوّن الودود.
لكن موضوع الإرهاب والتجنيد من مقاربة نفسية وعصبية لا يزال بحاجة إلى الكثير جداً من الوقت والجهد والمراكمة ليقدم إجابات أو حتى أنصاف إجابات عن الأسئلة فى تلك المساحة، خاصة إذا أخذنا فى الاعتبار أن الوصول للأشخاص محل الدراسة فى تلك الحالة (أعضاء التنظيمات السرية/ الإرهابيين/ حملة السلاح بشكل غير شرعى) لاستطلاع ما يدور بأذهانهم وجمع حكاياتهم ودراسة انفعالاتهم وعمل مسحات أدمغتهم، أن كل هذا عسير على الغالبية العظمى من المهتمين والدارسين.. هو حقل آخر ملغوم بأسئلة مفخخة تنتظر جيوشاً من الباحثين عن إجابات.. ضبطتُ هذا السيل من الأفكار يتداعى على ذهنى فى الأسابيع الأخيرة بينما أتصفح ما يكتب فى ملف اقتصاديات الإرهاب، وتمويل الجماعات المسلحة، لأجد عالماً آخر من الأسئلة التى تنتظر بدورها من يتصيد لها إجابات، ولهذا حديث آخر.