الخروج عن المألوف
لا يكاد المرء يذكر شهراً من الشهور الماضية إلا ويجد فيه حديثاً عن «عنتيل» أو «عنتيلة» أو واقعة مفجعة من وقائع ممارسة الجنس بصورة جماعية أو متسلسلة، مقرونة بتصوير الممارسة والاحتفاظ بأرشيف مترامى الأطراف عادة.
اللفظ نفسه مزعج، لكنه بات شائع الاستخدام.
ومبعث الإزعاج أن الكلمة فيها ملمس سخرية وتنكيت، رغم أن الذين استُقر على تسميتهم بـ«العناتيل» تتكون على ضفافهم مآسٍ إنسانية فى ربوع البلاد.
فكم من أسرة تهدمت وبيت انجرح وقرى بأكملها أو مناطق سكنية، قد وُصمت، وطاف الشك بيوتها.. من لم ينفضح فيهم لا يختلف حاله كثيراً عن الذين انفضحوا وانكشف سترهم.
ثم هو «عار» متوارث، يحرم فرص أفراد آخرين فى الزواج أو خوض بعض المسارات الاجتماعية، إذ إنه من أسرة «العنتيل» الفلانى، أو شقيق أو نجل أو قريب فلانة الفلانية التى تداول الناس مقاطعها المصورة.
خزى من الطراز الذى تمتد سيرته لعقود وتلاحق على هامش الضحية أو المجرم.. كثيرين ممن لهم علاقة جيرة أو قرابة بهما.
والمسألة لا تستدعى ضحكاً ولا تقليباً فى هذه السيرة بشىء من الاستنكار المازح، بقدر ما تستدعى حزناً وغماً، فهذه الفضائح القاسية طالت بيوت مصريين مثلنا، ولم تحدث فى كولومبيا أو كوريا الجنوبية أو آيسلندا.. لم تحدث للبعيدين الذين لا نعرفهم.. بل فجعتنا نحن!
الجنس فى المجتمع المصرى بات قريناً للإجرام فى كثير من الأخبار التى تعصف بالبلاد على مدار الأسبوع.
بين «عنتيل» متباهٍ، أو زوج يرمى زوجته زوراً أو بحق بأن أبناءه منها ليسوا من صلبه، بل أبناء سِفاح، ناجم عن ممارسات جنسية خارج نطاق الزواج وعلى مدى واسع.
وكلٌ يخرج علينا ومعه الفلاشة الملعونة إياها التى يجزم بأن فيها الدليل.. وكلٌ يحاجج ويصرخ بموجب المقاطع المتداولة على واتساب وفيسبوك.
الجميع معه جسم الجريمة، ويستعرضه بعادية شديدة، وتسأل عنه النيابة -وهى محقة بطبيعة دورها- باعتياد ممل.. ونتحدث عنه فى الإعلام دون مواربة.. وكأن شيئاً ما بيننا وبين «الحياء» و«التقزز» قد غلفه نوع من الألفة البغيضة لفرط التكرار!
بات الجنس صلب الجريمة، بوجوده أو بانتفائه أو بصيغة حضوره.. وبات الحديث عنه خارجاً بطبعه عن سياقيه المألوفين: المتعة الإنسانية التى اكتشفها البشر منذ آبائهم الأوائل.. والتناسل.
لا يمكن استبعاد الانفجار السكانى والسنين العشر المنصرمة التى لم تجعل مستقراً فى موضعه، ولم تترك قيمة أو خطاً أحمر فى مكانه المعهود.
بيد أن تعاظم حضور الجنس بصوره الشاذة فى جرائمنا وأخبارنا وأحوالنا، ليس بالمسألة التى نراقبها من بعيد ونهتم بها بذات اهتمامنا بانخفاض مستوى الدورى العام.
المسألة بالطبع تدخل فى نطاق الدراسات التى تجريها مؤسسات بحثية مرموقة مثل المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية وغيره من مؤسساتنا «القليلة» العاملة فى مجال البحث والمسح واستيضاح الأرقام والنسب وتحليلها. ومن ثم توفير صورة واضحة للمجتمع ولصانع القرار عن حجم وعمق الظاهرة وطبيعة التدخل المطلوب للعلاج.
لكنها من ناحية أخرى مسألة سياسية بحتة بما تتقاطع به مع مفاهيم الأمن الاجتماعى والسلامة العامة للبلاد.. وهى -رغم ابتذال المصطلح لكثرة استخدامه- بطبعها من مسائل الأمن القومى للبلاد.
فقد كان مستقراً لدينا أن المؤسسات الدينية بخطابها الدينى فى خطب الجمعة وعظات الأحد قادرة على فعل السحر مع بعض التوجيه الإعلامى الروتينى، بالإضافة لدس مشاهد درامية فى مسلسل أو فيلم بغرض التأثير فى الوجدان العام.
بيد أن خلطة «العطار» القديمة لم تعد تجدى نفعاً مع سرطان متنامٍ.. فليست المنابر بخير.. ولم يعد الإنسان بما يأكل ويشرب ويتعرض له هو ذات الإنسان الذى كان يسترد عافيته ببعض الينسون والكمون المغلى!
استئصالات وتدخلات بعلاجات كيماوية.. وخطط مغالبة مدروسة للمرض هى الحل. والسؤال الجوهرى هنا: لماذا انصب الاهتمام للجنس حصراً وتوجهت إليه الطاقات -ممارسة وشغفاً وشذوذاً به وخروجاً عن نطاق المألوف- إلى هذا الحد المرعب؟
ما الذى افتقده المصريون فى السياسة والكرة والدين والدراما والفضاء المجتمعى العام وباقى المؤثرات الكلاسيكية التى تشغل أحاديثهم اليومية منذ عقود حتى أضحوا هؤلاء الوحوش التى لا تكف الأخبار عن تغطية عجائبهم؟