فلسفة الاختيار والتأمين الطبي
فى الوقت الذى يتسارع فيه «التريند» لجمع معلومات عن صاحب الحمار المسافر من الجيزة إلى أسوان فى رحلة ليس لها جدوى سوى «البحث عن الشهرة»، ويتهافت معظم «الرواد» للحديث عن رحلة شاب بحماره، الذى يشقى من أجل شهرة راكبه و«يركبه» التريند، تفتتح الدولة مجموعة من المشاريع الطبية وتخطو خطوة جديدة فى منظومة التأمين الطبى الشامل، لتخفيف آلام المصريين، دون أن يعير ذلك انتباه صانعى «التريند»، وسط تعدّد أولويات الحكومة من (تعليم وصحة ومعاشات والقضاء على البطالة والفقر و...)، لتوفير «حياة كريمة» للشعب المصرى، وهو ما يضعنا حقاً أمام «معضلة الحمار»، التى ظهرت فى القرن الـ14.
«معضلة الحمار»، المعروفة بـ«مفارقة بوريدان»، نسبة إلى الكاهن والفيلسوف الفرنسى جان بوريدان، الذى عاش فى القرن الـ14، تطرح فلسفة «الاختيار»، ولكن ليس بين أمرين متناقضين، بل متشابهين جداً، وتحاول المفارقة دراسة الإرادة البشرية والسلوك الإنسانى فى «الاختيار» بين أمرين غير متناقضين بل متشابهين تماماً إلى حد التطابق، حيث يكون من الصعب ترتيب الأولويات المتعدّدة، وهى المعضلة التى تواجه الإدارة فى مصر منذ أن صعدت على السطح، بعد ثورتى 25 يناير و30 يونيو، كل المشكلات المتراكمة من سياسات خاطئة، وأصبح أمام الإدارة المصرية أولويات عدة، لحل المشكلات والوصول للعدالة الاجتماعية المنشودة، وفرضت «معضلة الاختيار» نفسها، بأى المشكلات نبدأ (الصحة - التعليم - البطالة - العشوائيات - المعاشات...)؟
الإدارة المصرية منذ عام 2014، قرّرت ألا تختار مشكلة بعينها دون النظر إلى الأخرى، وقررت أن تعمل فى مسارات متوازية لحل كل المشكلات التى ورثتها من الإدارات السابقة، فكانت الدولة حاضرة فى أزمة الصحة بحلول على المدى المتوسط (نحو 15 عاماً) بمنظومة التأمين الصحى الشامل وتدبير مصادر تمويله وافتتاح منشآت طبية جديدة وتطوير المنشآت الحالية وإعادة تأهيلها لتقدم خدمة طبية تليق بمستوى المصريين، وكذلك واجهت الدولة أزمة الصحة بمبادرات سريعة تصل إلى المواطن فى وقت قصير ويستفيد بالخدمة الشعب المصرى بتعداده الكامل، رافعة شعار «100 مليون صحة»، وعملت المبادرات على توفير خدمة طبية لكل المصريين بمستوى جيد، منها فحص ما يقرب من 62 مليون مواطن مصرى للكشف عن «فيروس سى» والسكر والضغط والسمنة فى 27 محافظة، وتتضمّن المبادرات صرف العلاج بالمجان، وكذلك مبادرة لإنهاء قوائم انتظار الجراحات الحرجة والعاجلة، حيث أُجريت 400 ألف جراحة حرجة تخصصات طبية مختلفة 65% من الجراحات داخل مستشفيات وزارة الصحة، وأيضاً استهدفت صحة المرأة بمبادرة للكشف المبكر عن أورام الثدى لتشمل التشخيص وصرف العلاج لـ28 مليون سيدة.
مثل هذا الإنجاز فى التعامل مع مشكلة الصحة، كان التعامل بالتوازى مع التعليم والعشوائيات وتطوير الريف والكثير من المشكلات الأخرى، ولكن «صانعو التريند» يتركون الإنجازات ويسلطون «هاشتاجاتهم» صوب حمارين فقط، الحمار الذى يشقى فى رحلة، لا جدوى لها، من الجيزة إلى أسوان حتى يبلغ صاحبه «عنان الشهرة» الباحث عنها، والحمار الآخر صاحب معضلة الاختيار و«مفارقة بوريدان»، حيث يتبارى «الرواد» أى المشكلات كان لها الأولوية، وتقرأ عبارات، تغرق السوشيال، مثل: «كان المفروض أن نهتم بالتعليم بدل العاصمة، أو أين الصحة بدل الطرق والكبارى..»، أيها السادة الأزمات متعددة والاختيار معضلة، ولكنك إذا بحثت فى ما حولك ستجد الإنجازات.
نعم أنا لم أستفد من شقة من الإسكان الاجتماعى مثلك أو سهّلت علىّ الطرق الجديدة التنقل لترويج سلعتى التى أبيعها، وأولادى لا يزالون فى سن مبكرة لإلحاقهم بالتعليم، ولكننى استفدت مثلاً بالتأمين الطبى، فمع وصول مولودى الجديد، أتمنى أن يكون الأخير، كان يحتاج إلى «حضّانة»، بحثت ووجدت اليوم بـ1800 جنيه، بعد يومين أو ثلاثة تكون كل أموالك كشاب فى منتصف العمر التى جهّزتها لاستقبال المصرى الجديد نفدت قبل أن يصل طفلك إلى حضنك، وإذا بى أبحث عن إنجازات الإدارة المصرية، وأبحث فى مستشفى عام عن «حضّانة»، وبالفعل وجدت مكاناً، وبمجرد تسلم الطفل، طُلب منى عمل «كارنيه» تأمين طبى للطفل، الشرط الوحيد أن يكون مصرياً، وعند حسابات المستشفى وجدت تكلفة اليوم بعد عمل التأمين الطبى، مجرد أن تدفع عن اليوم الواحد فى «الحضّانة» 20 جنيهاً فقط لا غير.. نعم اندهشت، الفارق كبير من 1800 جنيه إلى 20 جنيهاً، وتعلمت حينها.. ابحث عن الإنجاز حولك فى كل المجالات ستجده.