عن الفقراء وطغاة العالم

سيد جبيل

سيد جبيل

كاتب صحفي

هناك مليار فقير فى العالم يعيشون على أقل من دولار واحد فى اليوم. وهناك نظريتان لانتشال هؤلاء من الفقر، النظرية الأولى يتبناها الاقتصادى الشهير جيفرى ساكس والثانية يتبناها الاقتصادى المعروف وليام إيسترلى. معسكر «ساكس» يرى أنه لا شىء يُبقى الفقراء فقراء إلا الفقر، والحل منحهم دعماً يُخرجهم من فخ الفقر والمرض والجهل. معسكر «إيسترلى» يعارض هذه النظرية، ويرى أن المعونات حرمت الفقراء من الحل الوحيد للخروج من فقرهم، وهو الاقتصاد الحر. الاقتصادى الهندى البارز أبهيجيت بانيرجى يرى أن النظريتين على أرض الواقع «فشنك». ويعتقد أن كثيرين ممن يحصلون على سلع مدعمة، بما فيها التعليم، لا يُقبلون عليها بحماس لأسباب متعددة. وحتى القروض متناهية الصغر التى يصفها البعض بأنها علاج الفقر الناجع لم تؤت عملياً نتائج مبهرة. والحل الذى يقترحه هو الاستمرار فى استخدام المعونة، ولكن بعد بذل جهد كبير فى تعديل آليات تقديم هذه المساعدات، فمثلاً اكتشف بانيرجى أن الفلاح فى كينيا لا يُقبل على شراء السماد المدعوم بنسبة 50% فى موسم الزراعة لأنه فى الغالب لا يملك الـ50% الأخرى. لكن الفلاحين أقبلوا على شراء الأسمدة حين عُرضت عليهم بسعر كامل بشرط أن يتم تحصيل الثمن بعد موسم الحصاد، حين تكون جيوبهم عامرة. والحقيقة التى توصل إليها «بانيرجى» فى كتابه «اقتصاد الفقر»، بعد دراسة 240 حالة فى 40 دولة على مدار 7 سنوات، أنه لا يوجد قاعدة ذهبية لمساعدة الفقراء، وأن على الحكومات أن تبحث عن حلول مبتكرة لتعظيم الفوائد من المعونات التى تبلغ مليارات الدولارات سنوياً، لكن أحداً لا يكلف نفسه عبء البحث فى جدواها. لكن ما يحدث عملياً أن الحكومات تفضل عدم المخاطرة وتواصل تقديم دعم تعرف أنه لن ينفع الفقراء كثيراً، لأنها فى الواقع غير معنية بهم، بل ببيان الحكومة الذى ستعلن فيه بافتخار أنها تمكنت من توصيل المساعدات لمليون فقير إضافى أو أنها بسطت مظلة الدعم على مزيد من الفقراء. ويرفض الاقتصادى الهندى الاعتقاد السائد بأن الفساد وانعدام الديمقراطية هما عدوا الفقراء الأساسيان، إذ يرى بانيرجى أن الفساد والدكتاتورية لم يمنعا الصين من تحقيق معدلات نمو عالية، وساسة الولايات المتحدة كانوا فاسدين بامتياز فى القرن الـ19 لكنهم بنوا إمبراطورية عظيمة. ويمكن تقسيم العالم الآن لنوعين من الدول؛ الأول يضم نحو 180 دولة تعانى من درجات مختلفة من الفساد والتسلط، لكنها قادرة على تخفيف الفقر دون انتظار إصلاحات سياسية، فالحكام هناك -على أى حال- فى حاجة للشرعية ليستمروا فى الحكم ويواصلوا نهب شعوبهم! وهناك نحو 20 دولة أخرى مثل كوريا الشمالية تحكمها نظم فاسدة ومتخلفة. شعوب هذه المناطق لا ينبغى لهم تضيع الوقت فى الحديث عن أى نظريات لتحسين أوضاعهم، إذ عليهم أولاً الإطاحة بهذه الأنظمة، ففى وجودها لن تجدى أى وسائل لتخفيف الفقر!