«جحا المصرى» أمير الارتجال.. سمير غانم الذى رحل!

أحمد رفعت

أحمد رفعت

كاتب صحفي

ظاهرة فريدة تستحق التوقف والتأمل، فرحيل سمير غانم ليس كرحيل أى فنان آخر، مع كامل الاحترام لجلال الموت وألم الفراق وعطاء الآخرين.. لما يزيد على ستين عاماً صنع سمير غانم البهجة والبسمة فى نفوس وعلى شفاه المصريين والعرب.. استطاع فيها أن يكسر الحاجز الذى يصيب الناس مع أصحاب الأداء النمطى.. واستطاع أن يقنعنا إلى حد التوحد معه بأنه شخص واحد قدم لنا فنه عبر أكثر من «طلة» بدأت فى الستينات بشكله وملامحه اللذين نعرفهما فى أفلام وفوازير تلك الفترة.. ثم قبل نهاية الستينات عبر إطلالة جديدة رأيناها فى «صغيرة على الحب» استمرت حتى السنوات الأولى من السبعينات بما فيها مسرحيته الخالدة «موسيقى فى الحى الشرقى».. ثم السبعينات بإطلالة ثالثة بقيت معه طويلاً منذ اشتراكه فى فيلم تم إفساده عمداً، «المذنبون»، وإلى ما بعد الفوازير الثانية، ومعها أفلامه بالسبعينات والثمانينات وحتى التسعينات، و«المتزوجون» و«أهلا يا دكتور» و«الواد مزيكا» وغيرها وغيرها.. وصولاً إلى المرحلة الأخيرة التى شاهدناه فيها فى بعض الأعمال وبعض البرامج ضيفاً وبعض الإعلانات!

كل ما سبق سمير غانم.. إمكانيات متعددة وقدرات غير محدودة.. وظّف فيها جسده وصوته لذلك غنى.. رقص.. قلد.. تقمص.. تنكر.. فالقبطان عز الدين الحسينى هو «فطوطة»، هو «سمورة»، هو «مسعود»!

فى البحث عن ظاهرة سمير غانم ابن «عرب الطاولة» مركز «أبنوب» بمحافظة أسيوط، المنطلق إلى الشمال والذى درس فى الإسكندرية وتفجرت شهرته فى القاهرة، هو أيضاً ابن تلك المرحلة التى شهدت التغيرات السياسية وقتها ذوبان الفرد فى المجموع وطغيان فلسفة العمل الجماعى والمجموع بشعار «الكل فى واحد» والاشتراكية والقطاع العام، فكانت دافعه لبروز ظاهرة الفرق الغنائية الجماعية أيضاً.. و«الثلاثى المرح» صاحب «حلاوة شمسنا»، إلى ثلاثى «النغم»، إلى «ثلاثى الطروب»، إلى «ثلاثى النجوم »، وأخيراً الثلاثى الدينى للمطربة الراحلة زينب يونس وشقيقتيها حتى تخصصت «زينب» بمفردها فيما بعد فى الأغانى الدينية! هذه الفرق رعتها الدولة وكتب لها كبار الشعراء ولحن لها كبار الملحنين.

وفى هذه الأجواء، تعرف مصر فرقة رضا وفى هذه الأجواء أيضاً كانت فرقة «ساعة لقلبك» وفى هذه الأجواء يؤسس سمير غانم «ثلاثى أضواء المسرح»!

كان المطلوب تقديم طلب الاعتماد عند الجمهور بما لا يتشابه مع أى فرقة أخرى.. وقد كان.. اسكتشات استعراضية.. ساخرة.. ناقدة أحياناً لكنها ضاحكة دائماً كان منطقياً أن تنهال عروض السينما.. وأن ينطلق الثلاثى «إخوان غانم فى العنوان الأول للفرقة» يغادر وحيد سيف وعادل نصيف الفرقة وينضم الضيف أحمد ثم تبدأ مرحلة اختيار سمير غانم منفرداً فى بعض الأعمال كممثل له قدرات مهمة!

يغيِّب الموت الضيف أحمد.. ينكسر أحد أضلاع المثلث الموهوب المتماسك.. يتجاوزان الأزمة الصعبة.. تنضم وجوه جديدة لفرقة الثلاثى ويشاركون فى الأعمال.. بوسى.. أسامة عباس.. زكريا موافى.. سيف الله مختار.. نجاح الموجى والكثيرون ممن تألقوا معهم وصولاً إلى النجمة الكبيرة دلال عبدالعزيز!

منذ البداية، حدد سمير غانم دوره وفنه.. كان عليه أن يختار بين فلسفتين شائعتين.. الفن الفن.. والفن للمجتمع.. أو بصيغة أكثر وضوحاً.. الضحك للضحك أم الضحك لتغيير الواقع بالسخرية منه.. فى الحالتين اختار الأولى.. دون أن يمنع ذلك أن ينتقد بعض الأوضاع فى عدد من الأعمال.. فمسرحية «جحا يحكم المدينة» من هذا النوع.. ربما لعب مؤلفها وحيد حامد دوراً فى محاولة وضع «غانم» على مسار الأعمال الساخرة الجادة.. وخصوصاً مع مخرج مثقف مثل شاكر عبداللطيف..لكن المسار لم يكتمل.. قبلها سخر من تلك الطبقة المستهترة التى ظهرت وقتها بعد الانفتاح ولكن على طريقته أيضاً فى «ميزو»! ولذلك لم تكن كل أعماله ضحكاً للضحك!

سمير غانم الساخر على نفسه لن تضبطه مرة واحدة يسىء لأحد.. ونجح كثيراً فى لجم بعض الإعلاميين ممن حاولوا توريطه فى الهجوم على بعض زعماء مصر فى موجة انتشرت جداً على مدار أربعين عاماً، بعضها بكل أسف فى قنوات غير مصرية رغم علمه أنها بهارات مطلوبة تؤهل الضيوف للقبض بالدولار فى قنوات أخرى أو لقاءات قادمة!

سمير غانم أمير الارتجال بلا منازع.. ارتجاله فى الموضوع وليس خروجاً عن النص.. لذا فارتجاله إضافة حُسبت بالكامل للمؤلفين والمخرجين.. وهو صاحب أنجح «وقفات» فى الحوار المسرحى.. حيث يؤهل المشاهد للجمل والإفيهات القادمة.. فيكون الضحك مضاعفاً وبلا حدود.. حيث يعطى الفرصة للممثل الذى أمامه كى يشاركه «اللقطة» بغير أنانية يتسم بها البعض ويمنح الجمهور الفرصة ليضع الرد المناسب المنتظر فى المشهد الذى يراه لكنه يصدمه برد مخالف تماماً وفى هذا التناقض الذى يستغرق ثوانى يكون الضحك بلا حدود!

«غانم».. ابن أبنوب بأسيوط.. ككل الآباء ومع زوجة شرقاوية.. يظل حلمهما فى استقرار ابنتيهما.. وقد اختارا معهما ما يحقق الاستقرار المنشود.. لينتهى المشوار وقد اطمأنا عليهما!

سمير غانم -كما قلنا- ظاهرة سيحكى عنها مؤرخو الفن كثيراً.. ندعو الله أن يعوض الفن المصرى، بل والعربى، بمن يملأون الفراغ الذى سيتركه. وكما هى أمنيات لا نجد معها إلا الدعوات له بالرحمة، مع خالص العزاء لأسرته وأهله وتلاميذه وكل محبيه ممن حزنوا عليه جداً.. من الخليج إلى المحيط!