معاناة الفلسطينيين بين النضال «الحنجوري» ومسئولية مصر التاريخية

منذ نكبة 1948، وعلى مدار أكثر من سبعين عاماً، ابتُلى الفلسطينيون والعرب بظاهرة النضال «الحنجورى»، حيث يتبارى الكثيرون فى الصراخ واستخدام الصوت المرتفع والحديث عن النضال من أجل تحرير فلسطين من النهر إلى البحر. وعادة ما تُطلَق هذه التصريحات «العنترية» من خارج الأراضى الفلسطينية، وغالباً من خارج المنطقة العربية، حيث دأب هؤلاء على الإقامة فى المدن الأوروبية والأمريكية، ربما لكى يكون المناخ ملائماً للنضال من أجل تحرير فلسطين. ويعتقد هؤلاء أنهم يمتلكون حق وصم الآخرين ممن لا يشاطرونهم وجهات نظرهم الواهية بصفات مثل الخيانة والعمالة وبيع القضية الفلسطينية. ولا يزال الفلسطينيون الصامدون فى غزة والضفة يدفعون ثمن دعاة النضال «الحنجورى» وزبانيته منذ أكثر من سبعين عاماً. وكنا نظن، وبعض الظن إثم، أن ضياع معظم فلسطين التاريخية، وحصار غزة، وقضم الاحتلال لمساحات واسعة من الضفة الغربية، قد يردع هؤلاء «الحنجوريين»، ويدفعهم نحو الصمت إلى الأبد. بيد أن المثير للدهشة أن نضالهم «الحنجورى» لا يتوقف، بل ويجد هؤلاء فى معاناة الفلسطينيين المزيد من الزخم، فتتم العودة إلى الحديث عن النضال الباسل وعن إسرائيل «المزعومة»، وعن الكيان «المصطنع» الذى يسير بسرعة نحو الهاوية.

لقد سئم جيلنا من الاستماع إلى مثل هذا الصراخ منذ الطفولة فى ستينيات القرن العشرين، وإلى المتاجرين بمعاناة الفلسطينيين الذين يرزحون تحت وطأة الاحتلال الإسرائيلى. وبينما كانت مدن قطاع غزة تئن من القصف الوحشى، وكان أطفال غزة ونساؤها وشيوخها يسقطون ضحايا العدوان الإسرائيلى، كان «المناضلون المزيفون» يستمتعون بممارسة هوايتهم الدائمة فى «النضال والصمود» من العواصم العربية والأوروبية، وعلى صفحات الصحف وشاشات القنوات الفضائية. وبينما كانت اتهامات الحاقدين والكارهين من المناضلين «الحنجوريين» تصوّب سهامها ذات الأغراض الخبيثة تجاه مصر وقيادتها، كانت القاهرة منذ الساعات الأولى، كما كان دأبها على الدوام، تبذل جميع الجهود الممكنة لحقن دماء الأطفال والنساء والشيوخ فى قطاع غزة، انطلاقاً من مسئوليتها واقتناعها بواجبها تجاه سكان القطاع. وها هى مصر وقيادتها تقدم للحاقدين من «الحنجوريين» ومناضلى الصحف والقنوات درساً جديداً فى أداء الواجب على أكمل وجه، وفى إنقاذ سكان غزة، وليس المتاجرة بدمائهم الزكية.

ولا ريب أن الثناء الذى حظيت به مصر والتقدير الذى تلقته قيادتها من أطراف الصراع ومن القوى الإقليمية والدولية قد أخرس ألسنة الحاقدين وردّ كيدهم فى نحورهم. مرة أخرى، ولن تكون الأخيرة بإذن الله، تثبت مصر للأعداء وللأصدقاء أنها دولة تعرف واجبها تجاه أشقائها وتؤديه على أكمل وجه، مهما كان الثمن، ودون أن تلتفت إلى الصغائر، ودون أن تنتظر المقابل، وذلك دأب الكبار. ومرة أخرى تثبت القيادة المصرية أنها على قدر المسئولية الملقاة على عاتقها، وأنها قادرة على الاضطلاع بتلك المسئولية بكل هدوء وثقة واقتدار، على النقيض ممن يدعون بطولات زائفة، أو يصطنعون زعامة وهمية. وصدق المتنبى حين قال:

على قدر أهل العزم تأتى العزائم .. وتأتى على قدر الكرام المكارم

وتعظم فى عين الصغير صغارها .. وتصغر فى عين العظيم العظائم

عاشت مصر، بشعبها الكريم وبقيادتها المخلصة، عظيمة، قوية، أبية، عزيزة، قادرة، رغم أنف الحاقدين والكارهين والموتورين.