ليالى الأنس فى بلدنا!!

أحمد الجمال

أحمد الجمال

كاتب صحفي

أحاول أن أحاكى ما كان جزءاً رئيسياً فى منظومتنا التراثية، وهو استخلاص دروس الحياة ومفارقات الزمن، وأيضاً معادن البشر، من خلال القص السردى لحكايات شعبية كانت تصل أحياناً إلى ملاحم درامية. ولا أنكر أننى أضع فى سيارتى أسطوانات مدمجة عليها أوبريتات إذاعية قديمة نسبياً كمعروف الإسكافى وعوف الأصيل وأم شناف والدندورمة وغيرها! وفى طفولتى كنت أجلس لأستمع لشعراء الربابة فى ليالى رمضان وفى بعض المناسبات الدينية كمولد النبى (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم ليالى الوفاء بالنذر من الذين نذروا «ليلة لأهل الله» إذا حدث كذا أو كذا. وعشت اللحظات التى كان يحتدم فيها الاستحسان أو الاستقباح لدى الفريقين، فريق الهلالية وفريق الزناتية، وربما ارتفعت نبابيت الشوم، حيث العصا طويلة قوية تتسم بالصلابة واستقامة البنيان. ثم عشت أيضاً المنافسة بين البرهاميين وبين السعديين.. حيث البرهامية نسبة إلى سيدى إبراهيم الدسوقى، ساكن دسوق وأحد الأقطاب الأربعة «الرفاعى والبدوى والجيلانى والدسوقى»، والذى قيل عنه إنه كان أبرز من جمع بين الشريعة وبين التصوف، ولكن سمته التى تنتشر بين أتباع طريقته من العامة هى أن «خلقه ضيق»، يعنى لا يتسع صدره لتجاوزات الدراويش والمجاذيب. أما السعدية فهم أتباع سيدى سعد الدين الذى لم أتقصّ بعد سيرته الذاتية.. وكانوا قلة يكادون أن ينحصروا فى عائلة واحدة اشتهرت بإجادة فنون الفلاحة، ولذلك كان البرهامية يتندرون عليهم، فيشيعون أن منشدهم فى حضرة الذكر ينادى نداءً منغماً على إيقاعات شجية، فيقول متسائلاً: «يا ترى مين فى الحاضرين عنده غرّازتين ومدّادة؟!»، فيرد الذاكرون من السعدية وهم يتمايلون وفى نفس واحد «آنا.. آنا.. آنا» بألف عليها مدة وليس همزة ليتناسب النطق مع تطويحة الأجساد فى الحضرة. ولمن لا يعرف -وأظن أن معظم من سيقرأ هذه السطور لن يعرفوا- فإن الغرّازة هى العمود الخشبى متدرج الثقوب الذى يغرس فى الترعة لتوضع فيه مقدمة المحور الحديدى للطنبور وهو ينقل الماء من الترعة المنخفضة إلى القناة الأكثر ارتفاعاً.. أما المدّادة فهى خشبة تمتد بها الغرازة مسافة إضافية.. وهذا يعنى أن احتراف الفلاحة وفنونها وأعمالها الشاقة كان مسيطراً على أولئك المريدين حتى فى حلقة الذكر. وكنا ونحن صغار فى مرحلة الصبا والشباب المبكر نمضى فى الموالد ونتابع تحركات المنشدين الشعبيين، وفى مقدمتهم السيد حواس، ونسافر مشياً على الأقدام إلى القرى التى يقال إن المنشد الفلانى سيحيى الليلة فيها! كنا أيضاً نتابع نوعاً من أنواع المسرح الشعبى، وكانت الفرقة التى تجوب قرى الوجه البحرى هى فرقة «نظيم»، ويعد المسرح بوضع عدة كنبات ودكك نوارج (جمع نورج وهو أداة درس القمح) وتأتى الفرقة، خاصة ليلة المولد النبوى، وتنزل نجماتها (غوازيها) فى منزل أحد كبار الدراويش، وبعضنا لا يفلت الفرصة فيتسلل للنظر من شقوق الشبابيك الخشبية عليهن وهن يحضرن أنفسهن للظهور على المسرح! هكذا كان الريف المصرى.. محباً لفلكلوره، متسامحاً، ضاحكاً، يستخلص الدرس من حكايات الراوى الشعبى.. فأين الليلة من البارحة؟! أين الليلة وقد تقلصت مساحات الالتقاء الجمعى فى مكان واحد أمام «الصيّيت أو المنشد» أو من حول المسرح البدائى لفرقة «نظيم»، بل إنها مساحات تلاشت لحساب التليفزيون وما يحمله من مظاهر، منها أنه فكك وجدان الجماعة المصرية، خاصة الفلاحية؟! وأين الليلة من البارحة حيث كان التصوف المتسامح يخفف بلا حدود من غلواء التشدد والتطرف باسم الدين، وأين الليلة من البارحة حيث كنا نحتفل بمولد «مارجرجس» فى الوقت نفسه الذى نحتفل فيه بمولد محمد بن أبى بكر؟! لا أطلب إجابة بقدر ما أن المطلوب هو كيف نبدأ فى تجديد خلايا ذلك الوجدان الفطرى السليم؟!