صيادلة بدرجة مترجمين: شاوِر.. لأفهمك
صيادلة بدرجة مترجمين: شاوِر.. لأفهمك
كان عبدالرحمن أحمد عبدالعزيز، صيدلي، منهمكاً فى تحضير طلبية أدوية لزبون، إذا برجل يدفع باب الصيدلية، ويدخل مسرعاً نحوه، وعلى وجهه تبدو علامات الإرهاق والضيق، على الفور سأله الصيدلى عن طلبه، مبدياً استعداده لمساعدته، ولم يتوقع أن تكون الإجابة حركات بالأيدى وتمتمات غير مفهومة.
حالة من الصمت سادت المكان، نظر «عبدالرحمن» لزملائه فى الصيدلية القابعة فى منطقة «الإبراهيمية» بالإسكندرية، لعل أحدهم يفك لغز تلك الإشارات، لكن علامات الدهشة كانت نفسها مرسومة على جميع الوجوه.
لم يستسلم صاحب الشكوى، وأخذ يخبط بيديه على رأسه مراراً وتكراراً فى حركات هستيرية، فهم من خلالها «عبدالرحمن» أنه غاضب، دون فهم مغزى الشكوى، لينتهى المشهد بالاستعانة بشخص يجيد التواصل بلغة الإشارة، كشف عن مفاجأة، وهى أن الرجل يعانى من مجرد «صداع»، عجز الجميع عن فهمه.
«صداع.. كل هذا الوقت والمجهود لفهم شكوى الصداع»، تساؤلات ساورت عقل «عبدالرحمن» ولمسته من الداخل، فكيف يكون صيدلانياً ولا يفهم شكوى بسيطة لمريض؟ وكيف يكون إنساناً ولا يقدر على مساعدة غيره لعدم إلمامه بلغة التواصل.
مرت أيام ولم ينسَ عبدالرحمن، الموقف، ظل محفوراً داخله، ولم يدر وقتها أنه على موعد مع موقف مشابه، بطلته سيدة وابنتها قدمتا إلى الصيدلية لطلب المساعدة، حركات يديها ولغة جسدها كشفت عن أنها جاءت لأزمة صحية ألمّت بابنتها، لم يستطع الصيدلى الشاب فهمها، وقتها كان شغفه بلغة الإشارة دفعة لتعلم بعض الإشارات، لم تسعفه لفهم شكوى الأم.

فكرة عبقرية خطرت ببال «عبدالرحمن»، بالاستعانة بصديق، لكن ليس كأى صديق، فهو ملم بلغة الإشارة، اتصل به وفتح كاميرا الهاتف، ليتواصل صديقه الصيدلى بالأم والابنة، ويفهم طبيعة الشكوى، التى تلخصت فى أزمة صدرية ألمَّت بالابنة تحتاج إلى مجرد «بخاخة».
مرَّ الموقف واستقر الهدف نصب عين «عبدالرحمن»، فلا بديل عن تعلم لغة الإشارة، وعلى الفور لبى نداء شغفه الداخلى بالالتحاق بدورة تدريبية لتعلم لغة الإشارة، اكتسب منها قدرة معقولة على فهم إشارات «الصم» وضعاف السمع، وبات معروفاً عنه فى منطقته إجادته لتلك المهارة، التى دفعت عدداً من «الصم» للتردد عليه باستمرار، ومن بينهم الأم وابنتها، ولم يكتف الصيدلى الشاب بذلك، مقرراً إصقال تلك المهارة، للتواصل مع شريحة ليست بالقليلة فى مصر.
«خُلقهم ضيَّق»، صفة شائعة عن «الصم»، لم ينفها «عبدالرحمن»، وإنما رأى أن مبرراتها منطقية، ففكرة المعاناة لكى يفهمك الآخرون موترة ومحبطة، وهو حالهم طوال الوقت من الميلاد للرحيل، والمشكلة تتضاعف بسبب أن معظم الصم لا يجيدون القراءة والكتابة، فيحاولون وصف ما يريدون بشتى الطرق دون جدوى، وهنا تقع على الطبيب أو الصيدلى مسئولية كبيرة، فلا يمكن تخمين ما يحاول الأصم وصفه، وصرف علاج له دون التأكد من الحالة الطبية للمريض، وإلا ستكون العواقب وخيمة.

حل المشكلة يبدأ بالاهتمام بتعليم «الصم» القراءة والكتابة، فى رأى «عبدالرحمن»، فمن غير المنطقى أن نطلب من جميع المواطنين والكوادر الطبية تعلم لغة الإشارة، لكن على الأقل يجد الأصم طريقة أخرى للتواصل مع المتكلمين بالكتابة.
صدفة سعيدة سمحت للدكتورة هند نبيل محفوظ، الصيدلانية الشابة، لتعلم لغة الإشارة، كان بداخلها حماس لاكتساب تلك المهارة، إلى أن علمت منذ عامين بتنظيم دورة تدريبية لتعليم لغة الإشارة نظمها صيدلى صديق لها، لم تتردد وقتها وحضرتها وكانت مستمتعة بالشرح والتدريب، وبداخلها صوت دفين يعزز الفكرة، فمن غير الطبيعى أن ترى أشخاصاً من حولها، ولا تقدر على التواصل معهم وفهم لغتهم.
فى مستشفى «الجمهورية العام» تعمل الدكتورة «هند» صباحاً، وفى المساء تواصل العمل فى صيدلية خاصة، تغيرت حياتها للأفضل منذ أن أجادت التواصل بلغة الإشارة، فأصبح لها دور تطوعى تقوم به لمساعدة الصم وضعاف السمع، فبخلاف تقديم التوعية الصحية، قامت بتعليم طفلين القراءة والكتابة، من خلال الالتحاق بجمعية خيرية.
وفى يوم عمل بالمستشفى، جاءت مريضة من «الصم» لصرف علاج من الصيدلية، قابلها زملاء «هند» وحاولوا بشتى الطرق فهم ما تريد، لكنهم جميعاً فشلوا فى المهمة، ولم يعد هناك بديل عن استدعاء «هند»، التى ما إن علمت بالأمر توجهت نحو المريضة، ونجحت فى التواصل معها ومساعدتها، ما أسعدها للغاية وحمَّسها أكثر لفهم المزيد عن لغة الإشارة ومساعدة شريحة أكبر من «الصم» وضعاف السمع.
تعلم لغة الإشارة ليس صعباً، وفقاً لشهادة «هند»، ولابد أن يُقدِم عليه الجميع، بل لا بد من تدريسه للطلاب، وهو موجود فى بعض الدول الأخرى: «نسعى كثيراً لتعلم لغات شعوب أخرى ربما لن نحتك بهم، فما بالك بلغة أشخاص يعيشون بيننا ونحتك بهم فى الشارع، وليس شرطاً الإلمام الكامل بلغة الإشارة وبشكل معمق، فيكفى تعلم الأساسيات التى تمكننا من فهم بعض حركات الأصم ومساعدته».